مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )
52
محمد ( ص ) في مكة
أيضا في صالحها ، فقد كانت تقع في ملتقى الطرق من اليمن إلى الشام ومن الحبشة إلى العراق ، لهذا كان البدو يأتون إلى مكة للحصول على البصائع التي كانت تأتى مع القوافل من أركان المعمورة الأربعة ، وربما كان أهل مكة في البداية مجرد وسطاء وتجار تجزئه ولم يكونوا المستوردين أو أصحاب العمل المنظمين للقوافل ، ولكنهم في نهاية القرن السادس الميلادي كانوا يتحكمون في معظم التجارة بين اليمن والشام ، وهو طريق هام كانت تمر به بضائع الترف الهندية إلى الغرب وكذلك اللبان والبخور من جنوب شبه الجزيرة العربية . وكانت الطائف تنافس مكة في التجارة ، ولكن من الواضح أن موقف مكة كان هو الأقوى . كانت مكة أكثر من مجرد مركز تجارى ، فقد كانت مركزا ماليا ، ولا يبدو أن أحدا من الدارسين على علم أكيد بالتفاصيل مثل لامانس Lammans « 1 » ، ولكن من الواضح أن عمليات مالية على درجة لا بأس بها من التعقيد كانت تتم في مكة ، وكان زعماء مكة في زمان محمد ( عليه الصلاة والسلام ) رجال مال قبل كل شئ ، مهرة في إدارة شؤون المال ، ذوى دهاء ، وكانوا مهتمين بأي مجال لاستثمار مربح لأموالهم من عدن إلى غزة أو دمشق ، ولم يكن أهل مكة واحدهم الذين وقعوا في الشبكة المالية التي نسجوها ، ولكن أيضا كثير من كبار رجال القبائل المحيطة بها . وهكذا لم يظهر القران في جو الصحراء بل في جو اقتصادى مالي على درجة عالية من التعقيد . بقيت نقطة أخرى ، هل كان ظهور دين جديد في الحجاز وانتشاره بعد ذلك بين العرب ثم انتقاله إلى فارس والشام وشمال أفريقيا له ارتباط بأي تغير اقتصادى كبير ؟ تقول احدى الإجابات ان الجفاف المتزايد في البادية العربية وما أدى اليه من جوع كان الدافع الذي دفع العرب في طريق الغزو ، لندع الان جانبا وبصفة مؤقتة مسألة التغير الاقتصادي ، ونكتفي بالقول بأنه ليس هناك دليل يوثق به على حدوث أي تدهور في الظروف المناخية للبادية ، وكانت الحياة فيها محتملة ، فقد سمعنا عن
--> ( 1 ) انظر : Mecque ، صفحة 135 / 231 وما بعدها - ( المؤلف ) .