مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )

30

محمد ( ص ) في مكة

وجود الحنفاء ( جمع حنيف ) الذين كانوا يتعبدون على دين إبراهيم الخليل ، ولكنه أيضا حدثنا عن عثمان بن الحويرث الذي قابل قيصر الروم ( الدولة البيزنطية ) وتنصر أملا في أن يساعده الإمبراطور ليكون ملكا على مكة . يريد وات أن يقول ، ان الجسور بين الاسلام والمسيحية تحديدا لم تنقطع يوما ، وهو يؤكد في أكثر من موضع أنه لا يعنى بهذا أبدا علم أصالة الاسلام ولكن الذي يعنيه أن الأفكار المسيحية واليهودية كانت موجودة بالفعل في البيئة العربية ، والا لما تناولها القران الكريم . وقد جعلت هذه الأفكار من ( وات ) مفسرا للحوادث على نحو غير مألوف ، فهو مثلا لا يتعرض لهجرة المسلمين إلى الحبشة ( الهجرة الأولى والثانية ) ببساطة كما تتعامل المصادر الاسلامية ، ولا يكفيه القول انهم هربوا من اضطهاد أهل مكة لهم ، وانما يسوق أسبابا كثيرة ، منها ما يهمنا توضيحه في هذه المقدمة . انه يرى أنه كان هناك خلاف بين المسلمين أنفسهم ، وأنه كانت هناك مجموعتان ( فكريتان ) إحداهما على رأسها أبو بكر رضى اللّه عنه ، والأخرى على رأسها عثمان بن مظعون رضى اللّه عنه . فما حكاية عثمان بن مظعون رضى اللّه عنه ؟ يركز المؤلف على أن عثمان كان يميل للرهبنة أو الزهد الشديد ، وأنه كان صاحب اتجاه فكرى يتجه في هذا المنحى ، وربط بشكل أو باخر بين هذا والهجرة إلى الحبشة ، على أساس أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم بشخصيته الذكية اللماحة على حد تعبير المؤلف استشعر ما سيكون من خلاف في الاتجاهات بين أتباعه فحث بعضهم على الهجرة ، وبقي آخرون . هذا التحليل قد يكون موضع خلاف ، لكن الذي يهمنا هنا هو أن عثمان بن مظعون كان فعلا ذا اتجاه من نوع خاص ، وأنه بالفعل لم يكن شخصا عاديا ، وانما كان على رأس مجموعة ، ونفضل هنا الرجوع للمصادر الاسلامية مباشرة فنعرض ما ذكره ابن سعد في الجزء الأول من كتابه ( الطبقات الكبرى ) وهو الذي خصصه للسيرة النبوية « 1 » .

--> ( 1 ) طبعة دار الفكر ، بيروت ، ص ص 329 - 334 .