محمد الغزالي

88

فقه السيرة ( الغزالي )

أقطارها ، فعلى الداخل في دينهم أن يحمل وزرا من المقت المكتوب عليهم . والنصارى وقع بينهم شقاق رهيب في طبيعة المسيح ووضعه ، ووضع أمّه ، من الإله الكبير ، وقد أثار هذا الخلاف بينهم الحروب المهلكة ، وقسمهم فرقا يلعن بعضها بعضا . وكان نصارى الشّام الذين سألهم زيد ( يعاقبة ) ، يخالفون المذهب الرسمي لكنيسة الرومان ، فلا غرابة إذا أشعروا زيدا بما يقع عليه من عذاب لو دخل في دينهم ، أو لعل هذه اللعنة المرهوبة هي تبعات الخطيئة التي اقترفها ادم ، واستحقّها من بعده بنوه كما يدّعي ذلك النصارى وهم يبرّرون صلب المسيح ، ومن حقّ زيد أن يدع هؤلاء وأولئك ، ويرجع إلى دين إبراهيم عليه السّلام يبحث عن أصوله وفروعه . وأخرج البخاريّ : عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه عنهما ، قالت : رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة ، يقول : « يا معشر قريش ، واللّه ما منكم على دين إبراهيم عليه السّلام غيري » ، وكان يحيي الموؤودة ، يقول للرجل - إذا أراد أن يقتل ابنته - : أنا أكفيك مؤنتها ، فيأخذها ، فإذا ترعرعت قال لأبيها : إن شئت دفعتها إليك ، وإن شئت كفيتك مؤنتها « 1 » . إنّ زيدا واحد من المفكّرين القلائل الذين سخطوا ما عليه الجاهلية من نكر ، وإنه ليشكر على تحرّيه الحقّ ، ولا يغمط هو ولا غيره أقدارهم بين قومهم ، لكن القدر كان يتخيّر رجلا يبصر الحقّ ، ويملك من الطاقة ما يدفعه به إلى افاق العالمين ، في وجه مقاومة تسترخص النفس والنفيس للإبقاء على الضّلال ، والإمساك بليله البارد الثقيل . كان القدر يعدّ لهذه الرسالة الضخمة رجلها الضّخم ، والعظائم كفؤها العظماء ! .

--> ( 1 ) حديث صحيح ، والبخاري إنما خرجه : 7 / 114 - 115 ، معلّقا ، فكان يحسن تقييد العزو إليه بهذا ، وقد وصله جماعة ذكرهم الحافظ في الفتح ، وفاته أنّ الحاكم وصله أيضا في المستدرك : 3 / 440 ، وقال : « صحيح على شرط الشيخين » .