محمد الغزالي
86
فقه السيرة ( الغزالي )
باحثون عن الحقّ قلنا : إن الوثنية تزيّن باطلها بطلاء من الحقّ ؛ ليسهل على النفوس ازدراد ما فيها من مرارة ، فهي تزعم الإيمان بإله خلق السماوات والأرض ، وفي الوقت نفسه تشرك معه آلهة أخرى هي مزدلف إليه ووسيلة ، ولمّا كان خالق السماوات والأرض بعيدا عن مرأى الأعين ، فقد أنس العبّاد المشركون بالآلهة القريبة من أيديهم ، والتي يتردّدون عليها صباحا ومساء ، حتى صارت صلتهم بها أحكم من الصلة بالإله الأصيل ، وأصبح ذكر هذا الإله - المتوسّل إليه بغيره - لا يرد إلا في معرض الجدال والاعتذار : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 87 ) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ( 88 ) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 89 ) [ الزخرف ] . غير أنّ التعصب لهذا السّخف جاوز الحدود ، فأما العامة فهم بهم ، أحلاس ما توارثوا ، فقدوا نعمة العقل الحرّ ، بل العقل المدرك ، وعاشوا يهرفون بما لا يعرفون . وأمّا الذين أوتوا حظّا من التفكير ، فإنّ تفكيرهم يرتطم بحدود شهواتهم ، وربما كتموا ما عرفوا ، بل ربما حاربوا ما عرفوا ، وقليل من الناس من يتجرّأ على التقاليد المستحكمة ، ويجهر بالحق ، وأقلّ من ذلك من يعيش له ويضحّي في سبيله . وقد وجد قبل البعثة من نظر إلى وثنية العرب نظرة استهزاء ، ومن عرف أنّ قومه يلتقون على أباطيل مفتراة ، ولكنه لم يجد الطريق أو الطاقة على كفّهم . أخرج البخاري « 1 » : أنّ ابن عمر رضي اللّه عنهما حدّث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أنه لقي
--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد ، رقم ( 5369 ) ، من حديث ابن عمر ، وقد رواه أيضا من حديث سعيد بن زيد بن عمرو ( 1648 ) ، وفيه زيادة منكرة ، وهي تتنافى مع التوجيه الحسن الذي وجّه به الحديث حضرة المؤلف ، وهي قوله بعد : ( إني لا اكل مما تذبحون على -