محمد الغزالي
81
فقه السيرة ( الغزالي )
ووجدت خديجة ضالّتها المنشودة ؛ فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها ( نفيسة بنت منيّة ) ؛ وهذه ذهبت إلى محمد عليه الصلاة والسلام تفاتحه أن يتزوّج من خديجة ، فلم يبطئ في إعلان قبوله ، ثم كلم أعمامه في ذلك ، فذهب أبو طالب وحمزة وغيرهما إلى عمّ خديجة عمرو بن أسد - إذ إنّ أباها مات في حرب الفجار - وخطبوا إليه ابنة أخيه ، وساقوا إليها الصّداق عشرين بكرة ، ووقف أبو طالب يخطب في حفل الزواج قائلا : « إنّ محمدا لا يوزن به فتى من قريش إلا رجح به ، شرفا ونبلا وفضلا وعقلا ، وإن كان في المال قلّا ، فإنما المال ظل زائل ، وعارية مسترجعة ، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ، ولها فيه مثل ذلك » فكان جواب ولي خديجة - عمّها عمرو - : « هو الفحل الذي لا يقدع أنفه » وأنكحها منه . . . وقيل : إنّ العبارة الأخيرة جرت على لسان ( أبي سفيان ) عندما تزوّج محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ابنته أم حبيبة ، وكانت الحرب بينهما على أشدّها ، فاعتذر أبو سفيان عن ذلك بأن محمدا الرجل من الكفاءة بحيث يعتبر الإصهار إليه منقبة ! . والخصومة القائمة بينهما لا تنزل بقدر محمد عليه الصلاة والسلام أبدا ، ونكاحه لبنت أبي سفيان لا يشين أبا سفيان أبدا ، وإن كان يومئذ ألدّ عدوّ له . [ الزواج الميمون ] : كان محمد عليه الصلاة والسلام في الخامسة والعشرين عندما تزوّج خديجة ، وكانت هي قد ناهزت الأربعين ، وظل هذا الزواج قائما حتى ماتت خديجة عن خمسة وستين عاما ، كانت طوالها محلّ الكرامة والإعزاز ، وقد أنجب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أولاده جميعا منها ، ما عدا إبراهيم . ولدت له أولا ( القاسم ) ، وبه كان يكنى بعد النبوة ، ثم ( زينب ) ، و ( رقية ) ، و ( أم كلثوم ) ، و ( فاطمة ) ، و ( عبد اللّه ) ، وكان ( عبد اللّه ) يلقّب بالطيّب والطاهر ، ومات ( القاسم ) بعد أن بلغ سنا تمكّنه من ركوب الدّابة والسير على النجيبة ، ومات عبد اللّه وهو طفل ، ومات سائر بناته في حياته ؛ إلا فاطمة فقد تأخّرت بعده ستة أشهر ، ثم لحقت به . كان قران محمد عليه الصلاة والسلام بخديجة خيرا له ولها ، ولا شكّ أن هذا البيت الجديد قد اصطبغ بروح ربّ البيت ، روح التطهّر من أدران الجاهلية ، والترفّع عن تقديس الأوثان .