محمد الغزالي
70
فقه السيرة ( الغزالي )
والمحققون [ 1 ] على أنّ هذه الرواية موضوعة مضاهاة لما يذكره الإنجيليون ، من أن ناسا طلبوا المسيح عقب ولادته لقتله ، وهي عند المسيحيين مضاهاة لما عند الوثنيين من أن بوذا لما وضعته أمه العذراء طلبه الأعداء ليقتلوه . . إنّ علماء السّنة يهتمّون بالأخبار الواردة - من ناحيتي المتن والسند - فإذا لم تفد علما ثابتا ، أو ظنّا راحجا لم يكترثوا بها . وقد انضمّت أساطير كثيرة إلى سير المرسلين ، وعندما تعرض على القواعد المقررة في فنّ التحديث يظهر عوارها ويساغ اطّراحها .
--> ( 1 ) من هم هؤلاء المحققون ؟ ومن أين جاء الوضع المذكور ؟ ! وهذه الرواية هي في حديث أبي موسى المتقدّم ، وقد علمت صحته . وماذا تضرّ المضاهاة بعد الثبوت ؟ ! أفلا ترى أن ما يذكره الإنجيليون يضاهي ما هو ثابت في القران الكريم من طلب فرعون لموسى في قتله الأنبياء ؟ أفنردّ هذا للمشابهة المذكورة ؟ ! اللهم : لا * . * وأقول : مع تقديرنا لكلام الأستاذ العلامة الشيخ ( ناصر الدين ) فإننا نذكر طرفا من كلام العلماء والمحققين حول هذه القصة : قال الجزري - كما نقل الشيخ ناصر - : إسناده صحيح ، ورجاله رجال الصحيح ، أو أحدهما . وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ . عدّه أئمتنا وهما ! وهو كذلك ! فإن سنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ ذاك اثنتا عشرة سنة ، وأبو بكر أصغر منه بسنتين . وبلال لعلّه لم يكن ولد في ذلك الوقت . اه . وقال الذهبي في ميزان الاعتدال : قيل : مما يدلّ على بطلان هذا الحديث قوله : « وبعث معه أبو بكر بلالا ! . وبلال لم يخلق بعد ، وأبو بكر كان صبيا » . ا ه . قال صاحب ( تحفة الأحوذي ) : وضعّف الذهبي هذا الحديث لقوله : « وبعث معه أبو بكر بلالا » ، فإنّ أبا بكر إذ ذاك ما اشترى بلالا . وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة : رجاله ثقات ، وليس فيه سوى هذه النقطة ، فيحتمل أن تكون مدرجة فيه منقطعة من حديث اخر ، وهما من أحد رواته . كذا في ( المواهب اللدنية ) . وقال ( ابن القيم ) في ( زاد المعاد ) : ووقع في كتاب الترمذي وغيره : أنه بعث معه أبو بكر بلالا ، وهو من الغلط الواضح ! فإن ذاك لعلّه لم يكن موجودا ، وإن كان فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر . راجع : تحفة الأحوذي ، طبع الهند : 1 / 293 ، كتاب المناقب . ذلك ، وقد قال الحافظ ابن كثير في السيرة ( 1 / 274 ، ط . الحلبي ) : روى هذا الحديث الترمذي ، والحاكم ، والبيهقي ، وابن عساكر . قلت - أي ابن كثير - : فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة ؛ فإن أبا موسى الأشعري إنما قدم في سنة خيبر ( سنة سبع من الهجرة ) ، وعلى كل تقدير فهو ( مرسل ) . فالحديث ( معلل ) طبقا لما قرره العلماء في علم المصطلح .