محمد الغزالي
7
فقه السيرة ( الغزالي )
ثم إنني أكتب وأمام عينيّ مناظر قاتمة من تأخّر المسلمين العاطفيّ والفكريّ ؛ فلا عجب إذا قصصت وقائع السيرة بأسلوب يومئ من قرب أو من بعد إلى حاضرنا المؤسف ، كلما أوردت قصة جعلتها تحمل في طياتها شحنة من صدق العاطفة ، وسلامة الفكر ، وجلال العمل ، كي أعالج هذا التأخر المثير . ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ليس قصة تتلى في ميلاده كما يفعل الناس الان ، ولا التنويه به يكون في الصلوات المخترعة التي قد تضمّ إلى ألفاظ الأذان ، ولا إكنان حبّه يكون بتأليف مدائح له أو صياغة نعوت مستغربة يتلوها العاشقون ، ويتأوّهون أو لا يتأوهون ! . فرباط المسلم برسوله الكريم صلى اللّه عليه وسلم أقوى وأعمق من هذه الروابط الملفقة المكذوبة على الدين ، وما جنح المسلمون إلى هذه التعابير - في الإبانة عن تعلقهم بنبيّهم - إلا يوم أن تركوا اللباب الملئ وأعياهم حمله ، فاكتفوا بالمظاهر والأشكال ؛ ولما كانت هذه المظاهر والأشكال محدودة في الإسلام ، فقد افتنّوا في اختلاق صور أخرى ، ولا عليهم ؛ فهي لن تكلفهم جهدا ينكصون عنه ، إن الجهد الذي يتطلّب العزمات هو الاستمساك باللباب المهجور ، والعودة إلى جوهر الدين ذاته ، فبدلا من الاستماع إلى قصة المولد يتلوها صوت رخيم ، ينهض المرء إلى تقويم نفسه ، وإصلاح شأنه ، حتى يكون قريبا من سنن محمد صلى اللّه عليه وسلم في معاشه ومعاده ، وحربه وسلمه ، وعلمه وعمله ، وعاداته وعباداته . . . . إنّ المسلم الذي لا يعيش الرسول صلى اللّه عليه وسلم في ضميره ، ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره لا يغني عنه أبدا أن يحرك لسانه بألف صلاة في اليوم والليلة . وأريد هنا أن أنبّه إلى ضرورة الفصل بين الجد والهزل في حياتنا ، ولا بأس أن نجعل للهو واللعب وقتا لا يعدوه ، وللجد والإنتاج وقتا لا يقصر عنه . فإذا أراد أحد أن يغنّي أو يستمع إلى غناء فليفعل ، أما تحويل الإسلام نفسه إلى غناء ؛ فيصبح القران ألحانا عذبة ، وتصبح السيرة قصائد وتواشيح ، فهذا ما لا مساغ له ، وما لا يقبله إلا الصغار الغافلون . وقد تمّ هذا التحوّل على حساب الإسلام ، فانسحب الدين من ميدان السلوك والتوجيه إلى ميدان اللهو واللعب ، وحقّ فيمن فعلوا ذلك قول اللّه عز وجلّ : الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا [ الأنعام : 70 ] .