محمد الغزالي
62
فقه السيرة ( الغزالي )
وقد كانت رسالة محمد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخطر ثورة عرفها العالم للتحرر العقلي والمادي ، وكان جند القران أعدل رجال وعاهم التاريخ ، وأحصى فعالهم في تدويخ المستبدّين ، وكسر شوكتهم ، طاغية إثر طاغية . فلما أحبّ الناس - بعد انطلاقهم من قيود العسف - تصوير هذه الحقيقة ، تخيلوا هذه الإرهاصات ، وأحدثوا لها الروايات الواهية ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم غني عن هذا كله ؛ فإنّ نصيبه الضخم من الواقع المشرّف يزهدنا في هذه الروايات وأشباهها . [ كيفية استقبال جدّه لمولده ] : استقبل ( عبد المطلب ) ميلاد حفيده باستبشار وجذل ، لعلّه رأى في مقدمه عوضا عن ابنه الذي هصرت المنون شبابه ، فحوّل مشاعره عن الراحل الذاهب إلى الوافد الجديد ، يكلؤه ويغالي به . ومن الموافقات الجميلة أن يلهم ( عبد المطلب ) تسمية حفيده ( محمدا ) « 1 » ! إنها تسمية أعانه عليها ملك كريم ! ولم يكن العرب يألفون هذه الأعلام ، لذلك سألوه : لم رغب عن أسماء ابائه ؟ فأجاب : أردت أن يحمده اللّه في السماء ، وأن يحمده الخلق في الأرض ، فكأنّ هذه الإرادة كانت استشفافا للغيب ، فإن أحدا من خلق اللّه لا يستحق إزجاء عواطف الشكر والثناء على ما أدى وأسدى ، كما يستحق ذلك النبي العربي المحمّد صلى اللّه عليه وسلم . عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألا تعجبون كيف يصرف اللّه عني شتم قريش ولعنهم ؟ يشتمون مذمما ويلعنون مذمما ، وأنا محمد ! » « 2 » . لكن الحقيقة القاسية - برغم حفاوة الجد الحنون - باقية ؛ فإن ( محمدا ) صلى اللّه عليه وسلم يتيم ، برز إلى الدنيا بعد ما غادر أبوه الدنيا . ليكن ! ! ولنفرض عبد اللّه بقي حيّا ! ! فماذا عسى كان يفعل لابنه ؟ ! أكان يربيه ليهب له النبوّة ؟ ! ما كان له ذلك . إن الأب عنصر واحد من عناصر شتى تتحكّم في مستقبل الطفل ، وتحفر له في الحياة مجراه ، ولو كانت النبوّة بالاكتساب ما قربتها حياة الوالد شبرا ؛ فكيف وهي اصطفاء ؟ ! .
--> ( 1 ) سمّاه كذلك بعد ما ختنه في يومه السابع . ( 2 ) الحديث صحيح ، أخرجه البخاري : 6 / 435 - 436 .