محمد الغزالي
471
فقه السيرة ( الغزالي )
أما الصليبية فهي كالنبات المتسلق في خط الاستواء ؛ تعتمد في بقائها على الالتحاق بالفلسفات السائدة والنظم الغالبة ، كي تضمن حياة - أي حياة - لدعائمها الأولى من تثاليث وقرابين . والمسلمون سرت إليهم لوثات الاحتراف ، والتعلق بالقشور والمراسيم ، وردتهم رذائل الضعف والجهالة إلى أحوال أشبه بما كان يسود اليهود والنصارى على عصر النبوة والخلافة الراشدة . وقلة يسيرة منهم هي التي بقيت إلى يوم الناس هذا تغالب الجاهلية وتتشبث بالحق « 1 » . وإذا كان مما يعين على الأمل أن الإسلام ظلّ من الناحية العلمية محفوظا في مصدريه الخطيرين : الكتاب والسنّة ، فإنّ هذا العلم المصون لا يغني أبدا عن العمل . على أن الذين يعملون للإسلام عملا صحيحا يلقون مقاومة عنيفة من شتى الجبهات الأخرى ، أعني الجبهات التي قاومت امتداده من أربعة عشر قرنا ، ولم تبرد عداوتها له يوما . قد يسأل سائل : هل العالم اليوم بحاجة إلى الإسلام ؟ . ونقول : إذا كان العالم بحاجة إلى أن يعرف اللّه ، ويستعد للقائه ، ويقدم حسابا على ما أدى في هذه الدنيا ، فلا بدّ له من الإسلام . إن الارتقاء المادي لا يغني فتيلا عن التقيد بهذه الحقائق الكبيرة . قد يقال : لكن من الناس من لا يؤمن بإله قائم أو يوم اخر ! . ومنهم من يؤمن بذلك على نحو غير ما جاء به الإسلام . فدعوا الناس وما يرون . . . ونقول : لير الناس ما يشاؤون ، ولكن ليس من حقّ العميان أن يخلعوا عيني المبصر ، أو يضيّقوا عليه الخناق ، لأنه يرى ما لا يرون ! . فليدعوه يمشي بهدي بصره ، وليدعوه كذلك يصف ما يرى في طريقه وما يتوقع .
--> ( 1 ) قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر اللّه » . رواه أحمد بإسناد حسن ، من حديث أبي أمامة رضي اللّه عنه . ( ن ) .