محمد الغزالي
457
فقه السيرة ( الغزالي )
كان ( فروة بن عمر الجذامي ) واليا من قبل الروم على ( معان ) وما حولها من أرض الشام ، فاعتنق الإسلام ، وبعث إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يخبره بذلك . وغضب الرومان ، فجرّدوا على ( فروة ) حملة جاءت به ، وألقي في السجن حتى صدر الحكم بقتله ، فضربت عنقه على ماء لهم يقال له : ( عفراء ) بفلسطين ، وترك مصلوبا ليرهب غيره أن يسلك مسلكه ! وقيل : إنّه لما قدّم للقتل قال : بلّغ سراة المسلمين بأنّني * سلم لربّي ، أعظمي ودمائي فأعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جيشا كبيرا ، وأمّر عليه أسامة بن زيد بن حارثة . وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، يبغي بذلك إرهاب الروم وإعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود ، حتى لا يحسبنّ أحد أنّ بطش الكنيسة لا معقّب له ، وأنّ الدخول في الإسلام يجرّ على أصحابه الحتوف فحسب . ولمّا كان ( أسامة ) شابا لا يتجاوز الثمانية عشر ، فإنّ بعض الناس ساءتهم هذه الإمارة ، واعترضوا أن يقود الرجال الكبار شابّ حدث . ولا شكّ أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لا يلتفت في ولايته إلا إلى الجدارة . فمن استحقّ منصبا بكفايته قدّمه له ، غير مكترث بحداثة سنه . فإنّ كبر السّنّ لا يهب للأغبياء عقلا ، ولا الصغر ينقص الأتقياء فضلا : فما الحداثة عن حلم بمانعة * قد يوجد الحلم في الشّبان والشّيب ولذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - ردا على اعتراض الناقدين - : « لئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبل ، وأيم اللّه إن كان لخليقا بالإمارة ، وإنّ ابنه من بعده لخليقا بها ، وإن كان لمن أحبّ النّاس إليّ » « 1 » . وانتدب الناس يلتفون حول ( أسامة ) وينتظمون في جيشه . إلّا أنّ الأخبار المقلقة عن مرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكرهتهم على التريّث حتى يعرفوا ما يقضي به اللّه . . .
--> ( 1 ) صحيح ، أخرجه البخاري : 8 / 124 ، عن عبد اللّه بن عمر ، وصحّحه الترمذي : 4 / 350 .