محمد الغزالي

453

فقه السيرة ( الغزالي )

فأصبح أهل الموسم - قاطبة - من الموحّدين ، الذين لا يعبدون مع اللّه شيئا ، وأقبلت وفود اللّه من كلّ صوب ، تيمم وجهها شطر البيت العتيق ، وهي تعلم أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو في هذا العام أمير حجهم ومعلمهم مناسكهم ! ! . ونظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الألوف المؤلفة وهي تلبّي وتهرع إلى طاعة اللّه ، فشرح صدره انقيادها للحق ، واهتداؤها إلى الإسلام ، وعزم أن يغرس في قلوبهم لباب الدين ، وأن ينتهز هذا التجمّع الكريم ليقول كلمات تبدّد اخر ما أبقت الجاهلية من مخلّفات في النفوس ، وتؤكّد ما يحرص الإسلام على إشاعته من آداب وعلائق وأحكام . فألقى هذه الخطبة الجامعة « 1 » : « أيّها النّاس ! اسمعوا قولي ، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا . أيها النّاس ! إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم ، كحرمة يومكم هذا ، وكحرمة شهركم هذا ، وإنّكم ستلقون ربّكم فيسألكم عن أعمالكم ، وقد بلّغت . فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها ، وإنّ كلّ ربا موضوع ، ولكن لكم رؤوس أموالكم ، لا تظلمون ولا تظلمون . قضى اللّه أنّه لا ربا ، وإنّ ربا العباس بن عبد المطّلب موضوع كلّه . وإنّ كلّ دم كان في الجاهلية موضوع ، وإنّ أول دمائكم أضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - وكان مسترضعا في بني ليث ، فقتلته هذيل - فهو أوّل ما أبدأ به من دماء الجاهليّة . أما بعد : أيها الناس ، إنّ الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه أبدا ، ولكنّه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم ، فاحذروه على دينكم ! ! .

--> ( 1 ) رواها ابن هشام عن ابن إسحاق بدون إسناد ، وقد جاء سندها في أحاديث متفرّقة يطول الكلام في بيانها . وتفصيل ذلك في كتابي الكبير « حجة الوداع » ، أرجو اللّه أن يوفقني لإتمامه . وقسم كبير منها في حديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه ، وقد جمعت طرقه وألفاظه في رسالة لطيفة طبعت في المطبعة السلفية بمصر .