محمد الغزالي

446

فقه السيرة ( الغزالي )

أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا ( 28 ) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ( 29 ) [ الأحزاب ] « 1 » . فاثرن اللّه ورسوله والدار الآخرة . . . وعشن مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم معينات على الحق ، راغبات في الثواب . وبهذا التفاني في خدمة الرسالة ، والإهمال لمطالب النفس ، رفع اللّه درجاتهن فلم يصبحن زوجات رجل يطلبن في ظلّه المتاع ، بل صرن شريكات في حياة فاضلة غالية ، واستحققن قول اللّه عز وجلّ : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ . . . [ الأحزاب : 6 ] . وتوكيدا لهذه الأمومة الروحية شرع الحجاب الدقيق على أمهات المؤمنين ، فلا يجوز لأحد من الأجانب أن يلتقي بهنّ ولو مع محرم . وسؤالهن في شؤون الدين والدنيا إنما يكون من وراء الحجاب ، كما لا يجوز لأحد - بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم - أن يتزوّج بإحداهنّ . وبهذا التشريع الصارم قطع دابر الفضوليين والثقلاء ، الذين يكثرون التردد على بيوت الزعماء ، كما قطع دابر المتربصين منهم ، الذي ينشدون الرفعة من وراء الاقتران بأولئك النساء ، ولا نستغرب مثل هذا التشريع ! فقد تأدّت الجرأة ببعض الناس أن يقول أحدهم : لو قبض النبيّ تزوجت عائشة ! ومن حق النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يصان شعوره ، وأن يصدّ عنه وعن أهله أولئك الأعراب السفهاء . ولم يعقّب الرسول صلى اللّه عليه وسلم من زوجاته أولئك ولدا . أما بناته اللائي أعقبهنّ من خديجة فقد متن وهو حيّ ، عدا فاطمة ، فإنها بقيت بعده شهورا ، ثم كانت أول أهله لحوقا به . ودخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمارية التي بعث بها المقوقس إليه بعد أن أسلمت ، وحملت منه ، ثم وضعت له ابنا أسماه إبراهيم ، باسم جدّه أبي الأنبياء ، ولم يعمّر طويلا ، بل مات وهو رضيع .

--> ( 1 ) رواه مسلم : 4 / 187 ؛ من حديث جابر ، وهو والبخاري : 8 / 422 ، عن عائشة مختصرا .