محمد الغزالي

439

فقه السيرة ( الغزالي )

إنهم يقولون : الذي كان يخفيه النبي صلى اللّه عليه وسلم في نفسه ، ويخشى فيه الناس دون اللّه هو ميله لزينب ، أي أنّ اللّه - بزعمهم - يعتب عليه عدم التصريح بهذا الميل ! . ونقول : هل الأصل الخلقي أنّ الرجل إذا أحب امرأة لغط بين الناس مشهّرا بنفسه وبمن أحبّ ؟ وخصوصا إذا كان ذا عاطفة منحرفة ، جعلته يحب امرأة رجل اخر ؟ . هل يلوم اللّه رجلا لأنّه أحبّ امرأة اخر فكتم هذا الحبّ في نفسه ، أكان يرفع درجته لو أنّه صاغ فيها قصائد غزل ؟ . هذا واللّه هو السفه ! . وهذا السفه هو ما يريد بعض المغفّلين أن يفسّروا به القران ! ! . إنّ اللّه لا يعاتب أحدا على كتمان حبّ طائش ، وإنّما سياق الواقعة هو كما قصصنا عليك . فالذي أخفاه النبي صلى اللّه عليه وسلم في نفسه تأذّيه من هذا الزواج المفروض ، وتراخيه في إنفاذ أمر اللّه به ، وخوفه من لغط الناس عندما يجدون نظام التبني - كما ألفوه - قد انهار . وقد أفهم اللّه نبيّه أنّ أمره لا يجوز أن يقفه توهّم شيء ما . وأنّه - بإزاء التكليف الأعلى - لا مفرّ له من السمع والطاعة ، شأن من سبقه من المرسلين . وإذا عدت إلى الآية التي تتضمّن القصة ؛ وجدتها ختمت بقوله تعالى : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [ الأحزاب : 37 ] أي من حقه أن يقع حتما . ثم أعقبها ما يؤكد هذا المعنى : ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ( 38 ) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً ( 39 ) [ الأحزاب ] . إنّك عندما تثبّت قلب رجل تقول له : لا تخش إلا اللّه . إنّك لا تقول ذلك له وهو بصدد ارتكاب معصية ، إنما تقول ذلك له وهو يبدأ القيام بعمل فاضل كبير ، يخالف التقاليد المتوارثة . وظاهر في هذه الآيات كلّها أنّ اللّه لا يجرّئ نبيّه على التدلّه بحب امرأة ،