محمد الغزالي

428

فقه السيرة ( الغزالي )

وبذلك قطع الإسلام الصلة بين أولئك العرب المتنصرين وبين دولة الروم التي يشتبك معها في الحرب ، بعد ما ضمن الحرية الدينية لمن سالموه وكفّوا عنه . ونحن نسأل - على وجه التحدي - : هل عاملت الطوائف المسيحية بعضها بعضا بهذه السماحة الرائعة ؟ أم كان ذلك مسلكا أضاء به الإسلام واحده ظلمات القرون الأولى ؟ . ثم نسأل مرة أخرى : هل احترم أهل الكتاب ما عليهم من واجب ؟ وهل أنصفوا الدين الذي رعى ذمامهم ؟ . لقد دخلت السنة العاشرة على الإسلام وهو يبسط تعاليمه على حساب الوثنية المتقلصة ، فإذا بعض القبائل في الجنوب تثور ضده تحسب أنّ رجلا من قريش ملك العرب بادعاء النبوة ، فليس يعجزها أن تقدم من مفاليكها من يزعم النبوة كذلك ! ! لعلّه يملك مثل ما ملك محمد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ومن المؤسف أنّ النصارى في جنوب الجزيرة ساعدوا في إشعال هذه الثورات ، وأنّ نصارى نجران كاتبوا الأسود العنسي فسار إليهم - وهو أحد المتنبئين - ثم رحل عنهم إلى اليمن ، فملكها ، حتى قتلته امرأته هناك ، وأراحت الأرض منه . أكانت هذه الفتن معاونة لنصارى الشمال في حربهم ضد الإسلام ، أم كانت شغبا يمليه الكره المجرد فحسب ؟ . وما فعله نصارى نجران في تأييد الأسود العنسي فعل مثله نصارى تغلب في تأييد مسيلمة الكذاب حين ادّعى - هو الاخر - أنّه نبي ! . ونحن نفهم أن يرفض أهل نجران وبنو تغلب الدخول في الإسلام ، وأن يؤثروا البقاء على ما اقتنعوا به من ديانتهم الموروثة ، لكننا لم نفهم بتة أن يكذّب رجل بصحف الوحي ، وأن يؤمن - مثلا - بالبعكوكة « 1 » . ذاك إن كانوا قد آمنوا حقا بالأسود ومسيلمة . . أما إذا كان الأمر لا يعدو الإعانة على حرب الإسلام بأي سلاح ومع أي حليف ، فهذه مسألة أخرى يحتار في علاجها أطباء القلوب « 2 » .

--> ( 1 ) صحيفة هزلية . ( 2 ) راجع كتابنا ( التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام ) ، وهو من منشورات دار القلم بدمشق .