محمد الغزالي

423

فقه السيرة ( الغزالي )

ذلك وفد يمثّل بساطة الأمّيين في منطقهم وسلامة طويتهم في جدلهم وتساؤلهم ، وخلو أذهانهم من العقد التي تعترض الحقّ في مسيله السمح . ولا نكران في أنّ جهاد الدعوة القديم له أثره في الوصول إلى هذه النتائج السريعة . وهذا طبيعي ؛ فإنّ تغيير دين ليس كتجديد زي ، وضمام بن ثعلبة كان يستحضر في ذهنه وهو يسأل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم وهو يخطب قومه أنّ هذه الرسالة الجديدة مرّت بأطوار شتّى من المحن والفتن ، كشفت عن صدقها وسلامة جوهرها ، فليس إيمانه وإيمان قومه وليد ساعة من كلام . ذاك وفد الأميين ، وهو مثل لوفود أخرى كبرت أو صغرت أمّت المدينة ، لترى هذا النبي وتبايعه ، ثم تؤوب إلى قومها حاملة الهدى والخير . أما أهل الكتاب فإنّ قلة منهم شرحت صدرا بالحق ، وسارعت إلى اعتناقه ومؤازرته ، والكثرة الباقية اختلفت عداوتها له شدة وفتورا . أبى اليهود إلا إبادة الإسلام ، فوقعوا في شرور نيتهم ، وباد سلطانهم العسكري والسياسي قبل أن يدركوا هذه الغاية . وقبلهم الإسلام في دولته القائمة أفرادا يبقون على ديانتهم ما أحبوا ، ولا يمكّنون من تجمع على عدوان ودس . وذلك حقه لا ريب ! ! . ولم تصادر الحقوق الشخصية ليهودي تحت سلطان الإسلام ، وحسبك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم نفسه - لكي يقترض من يهودي - ارتهنه درعه « 1 » . . وما فكّر قط في إحراجه بما يملك من سلطان بعيد . وكان النصارى أخف خصومة حيث ابتعدوا عن سلطان الكنيسة فأسلم بعضهم عن طواعية وإعجاب بما في الإسلام من سهولة واستقامة ، وبقي الآخرون على ما ورثوا .

--> - رقم ( 2380 ) من حديث ابن عباس ، وقال الحاكم : « صحيح » ، ووافقه الذهبي ؛ ورواه مسلم : 1 / 32 ، وغيره مختصرا ، والرواية الأخرى له . ( 1 ) صحيح ، أخرجه البخاري وغيره .