محمد الغزالي

416

فقه السيرة ( الغزالي )

طاقة لهم بحرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا عداوته ، فدخلوا في دين اللّه أفواجا يضربون إليه من كلّ وجه . يقول سبحانه وتعالى لنبيّه : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً ( 3 ) [ النصر ] . بعد كمّ من السنين بلغ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم هذه المرحلة ؟ بعد اثنتين وعشرين سنة من الدعاية الحثيثة ، والتذكير الدائم ، وتحمّل الأذى ، وكفاح العدوان . . فإن كانت هناك بقايا من الغافلين لا تزال تضرع للأصنام ، وتحيا على الفوضى ، فإنّ فطامها عن هذه الرذائل لا ينكره ذو لب أو مروءة ، ومن ثمّ اتجه الإسلام إلى ضرورة تطهير الجزيرة كلّها من عبادة الأوثان ، وإشعار المشركين بأنّ أمامهم مهلة محدودة للتخلص من أدرانها . . ثم تعريفهم كذلك بأن الأصنام التي كانوا يقدّسونها حول الكعبة قد أزيلت ، فأصبحت الكعبة قبلة مسجد يؤمه المواحدون ، وليست مطاف جهّال يتبركون بالحجارة ، وأن تقاليد العري التي شاعت في الجاهلية ، وجعلت المطاف يزدحم بالسّوات المكشوفة قد نبذها الإسلام ، فلن يسمح في عهده بالتبذل القديم . وأقبل موسم الحج في السنة التاسعة والمشركون على ما ألفوا ، إنهم يؤمون البيت العتيق ، ولا يتعظون من مصير الأصنام التي تكسرت ! أين الالهة التي قضوا أعمارهم ينحنون لها ، ويتوسّلون بها ؟ لقد هشمت وديست ! ومع ذلك فإن عبّادها لبثوا مشركين . . وقد تكون في نفوسهم حسرات لخلو الكعبة منها . إنّ من حقّ المسلمين أن يضعوا حدّا لهذه المهازل ، وأن يزيحوا عن كرامة البشر هذا الهوان .