محمد الغزالي

405

فقه السيرة ( الغزالي )

وهناك الذين فترت - أول الأمر - هممهم ، فلما جدّ الرحيل وانطلق الجيش أحسوا خطر التخلف على إيمانهم فنهضوا يدركون ما يوشك أن يفوتهم ، منهم ( أبو خيثمة ) عاد يوما إلى أهله - بعد مسير النبي صلى اللّه عليه وسلم وصحبه - وكان اليوم قائظا ، فوجد امرأتيه كلتيهما ، قد أعدتا له الطعام الشهيّ والماء البارد الرّويّ ، ووجد مسكنه مبللا رطبا ، وسط بستانه الذي أخذ بسره الأحمر ينضج ويسودّ . فاستيقظ ضمير الرّجل ، وقال : رسول اللّه في الشمس والريح والحرّ ، وأبو خيثمة في ظلّ بارد ، وطعام مهيأ ، وامرأة حسناء في ماله مقيم ؟ واللّه ما هذا بالنّصف ! . ثم قال : واللّه لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول اللّه ، فهيئا لي زادا ، ففعلتا ، ثم قدّم ناضحه فارتحله . وأسرع الرجل المؤمن يطلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك . [ مصاعب وصبر وعزيمة ] : وعانى الجيش الذاهب إلى تبوك مصاعب ثقيلة ؛ روى الإمام أحمد في تفسير قول اللّه عز وجلّ : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ [ التوبة : 117 ] ؛ قال : خرجوا في غزوة ( تبوك ) الرجلان والثلاثة على بعير واحد ، وخرجوا في حرّ شديد ، وأصابهم عطش ، حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ، ويشربوا ماءها ، فكان ذلك عسرة في الماء ، وعسرة في النفقة ، وعسرة في الظهر . وعن عبد اللّه بن عباس : أنه قيل لعمر بن الخطاب : حدثنا عن شأن ساعة العسرة ، فقال عمر : خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش ، حتى ظننا أنّ رقابنا ستنقطع ، حتى إنّ الرجل لينحر بعيره ، فيعتصر فرثه فيشربه ، ثم يجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه ! إنّ اللّه عوّدك في الدعاء خيرا فادع اللّه لنا ! فقال : « أو تحب ذلك ؟ » قال : نعم ، فرفع رسول اللّه يديه إلى السماء ، فلم يرجعهما حتى قالت السماء - أي اذنت بمطر - فأطلت ، ثم سكبت فملؤوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر ، فلم نجدها جاوزت العسكر « 1 » .

--> ( 1 ) ذكره ابن كثير في التاريخ : 5 / 9 ، من رواية عبد اللّه بن وهب بسنده عن ابن عباس ، ثم قال : « إسناده جيد » ، وهو عندي غير جيد ؛ لأنّه من رواية عتبة بن أبي عتبة . وقد ذكره -