محمد الغزالي
402
فقه السيرة ( الغزالي )
فليس للإنسان إلا ما سعى ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام : 164 ] . ثم هو ينكر مبدأ الشركة في الألوهية ، فليس للعالم إلا رب واحد ، يخضع له عيسى وأمه . لذلك رأى الروم أن يعيدوا الكرّة ، فيضربوا الإسلام في شمال الجزيرة ضربة تردّه من حيث جاء ، وتوصد عليه أبواب الحدود ، فلا يستطيع التسرّب منها . . . وتضمن الكنيسة بعدئذ انفرادها بالضمير البشري ، حتى إذا قرعت أجراسها لم يشب رنينها صدى لمؤذن يهتف بتكبير اللّه وتوحيده ، ويدعو للصلاة والفلاح . وترامت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم في المدينة أنباء هذا الإعداد الماكر ، وتاريخ النصرانية - منذ تولّت الحكم - يؤكّد نية العدوان لدى رجال الكهنوت . فلم ير النبي صلى اللّه عليه وسلم بدّا من استنفار المسلمين لملاقاة هذا العدوان المبيت . والتهيؤ لملاقاة الروم جاء في أيام قيظ وقحط . والسير إليهم يتطلّب جهدا مضنيا ونفقة كبيرة . وقتال الروم ليس صداما مع قبيلة محدودة العدد والعدّة ، بل هو كفاح مرير مع دولة تبسط سلطانها على جملة قارّات ، وتملك موارد ثرّة من الرجال والأموال . على أنّ أصحاب العقيدة لا ينكصون أمام الصعاب ، والسكوت على تحدي النصارى لهذا الدين ورغبتهم الملحة في القضاء عليه يعتبر انتحارا وبوارا ، فليتحامل المسلمون على أنفسهم إذا وليواجهوا مستقبلهم بما يفرض من تضحيات وتفديات . وللظروف العصيبة التي اكتنفت إعداد هذا الجيش سمّي جيش العسرة . والآيات التي أنزلها اللّه في كتابه - متعلقة بغزوة العسرة - هي أطول ما نزل في قتال بين المسلمين وخصومهم . وقد بدأت باستنهاض الهمم لردّ هجوم المسيحية على الإسلام ، وإفهام المسلمين مغبة تقصيرهم في أداء هذه الفريضة ، وإشعارهم بأن اللّه لا يقبل ذرة من تفريط في حماية دينه ونصرة نبيّه ، وإنّ التراجع أمام الصعوبات الحائلة - دون قتال الروم - يعتبر مزلقة إلى الردة والنفاق : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى