محمد الغزالي
396
فقه السيرة ( الغزالي )
بها قوما أسلموا ، ووكلتكم إلى ما قسم اللّه لكم من الإسلام ! ! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب النّاس إلى رحالهم بالشاء والبعير ، وتذهبون برسول اللّه إلى رحالكم ؟ . فوالذي نفسي بيده ، لو أنّ الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا ، لسلكت شعب الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار . اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار » . فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم . وقالوا : رضينا باللّه ربا ، ورسوله قسما ، ثم انصرف . . وتفرقوا « 1 » . . . والأنصار - في تاريخ الدعوات - مثل فريدة للرجال الذين تقوم بهم الرسالات العظمى ؛ حتى إذا استوت على سوقها ، وتجاوزت أيام محنتها ومؤنتها ، وتدلّت ثمارها وحلا جناها ، جاءت أيد غير أيديهم ، فقطفت ما تشتهي ، ولم تكتف بذلك ! بل لطمت أيدي الغارسين حتى لا تلقط من الثمار الساقطة قليلا ولا كثيرا ! ! . ولا نقول ذلك تعليقا على توزيع الغنائم في هذا المقام ، فقد اتضح وجه الرشد في هذه القسمة الحصيفة . . . ولكنّا نذكر في مناقب الأنصار ، وافتراض ترفّعهم عن الدنيا في سبيل الدين ، وتأليف الناس عليه ، أنّ شؤون الحكم ابتعدت عنهم ، واحتازها غيرهم وهم لها أكفاء ، فلم تمض ثلاثون سنة حتى كانت في أيدي الطلقاء . ولا ريبة في أنّ أولئك المتجرّدين للّه سوف يلقون جزاءهم الأوفى ، وأن شأن الدنيا أنزل قدرا من أن يأسى عليه رجل العقيدة . غير أننا نتساءل : أكان من مصلحة الرسالات نفسها أن تقع هذه الأثرة ؟ أم كان سوء حظّ الإسلام أن يلقى هذا اللون من الحكام ، فيقصى أصحاب السبق
--> ( 1 ) حديث صحيح ، رواه أحمد : 3 / 76 - 77 ؛ وابن هشام : 2 / 310 - 311 ؛ وابن جرير : 2 / 360 - 361 ، كلهم عن ابن إسحاق بسنده الصحيح عن أبي سعيد الخدري . وذكره ابن كثير في ( البداية ) : 4 / 358 - 359 ، من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق والسياق له ، ثم قال ابن كثير : « وهو صحيح » . والقصة في البخاري : 8 / 38 - 42 ، بنحوها مختصرا .