محمد الغزالي
386
فقه السيرة ( الغزالي )
إنّ كلمات الأذان تمثّل العناوين البارزة لرسالة كبيرة في الإصلاح ، ولذلك جاء في السنن الثابتة أنّ المسلم عندما يسمعها يقول : « اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة ، والصلاة القائمة ، ات سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، إنّك لا تخلف الميعاد » « 1 » . [ ذكريات الشهداء ] : وفي يوم الفتح قد ترجع بنا الذكريات إلى رجال لم يشهدوا هذا النصر المبين ، ولم يسمعوا صوت بلال يرنّ فوق ظهر الكعبة بشعار التوحيد ، ولم يروا الأصنام مكبوبة على وجوهها مسوّاة بالرغام ، ولم يروا عبّادها الأقدمين ، وقد ألقوا السلم واتجهوا إلى الإسلام . إنهم قتلوا أو ماتوا إبّان المعركة الطويلة التي نشبت بين الإيمان والكفر . ولكنّ النصر الذي يجني الأحياء ثماره اليوم لهم فيه نصيب كبير ، وجزاؤهم عليه مكفول عند من لا يظلم مثقال ذرة . إنه ليس من الضروري أن يشهد كلّ جندي النتائج الأخيرة للكفاح بين الحق والباطل ، فقد يخترمه الأجل في المراحل الأولى منه ، وقد يصرع في هزيمة عارضة كما وقع لسيد الشهداء ( حمزة ) ومن معه . والقران الكريم ينبّه أصحاب الحق إلى أنّ المعوّل في الحساب الكامل على الدار الآخرة ، لا على الدار الدنيا ، فهناك الجزاء الأوفى للمؤمنين والكافرين جميعا : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 77 ) [ غافر ] . ودخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة في رمضان ، وظلّ بها سائر الشهر يقصر ، ويفطر أكثر من خمسة عشر يوما ، وكان قد خرج من المدينة صائما ، ثم أفطر هو وصحبه في الطريق « 2 » .
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري في ( صحيحه ) ، وفي ( أفعال العباد ) ؛ وأصحاب السنن الأربعة ؛ والطبراني في ( الصغير ) ؛ وابن السني في ( عمل اليوم والليلة ) ؛ وأحمد والبيهقي من حديث جابر مرفوعا به ؛ دون قوله : « إنك لا تخلف الميعاد » ، فتفرد بها البيهقي ، وهي شاذة لا تصح . ( 2 ) أما قصره صلى اللّه عليه وسلم في مكة فثابت في البخاري : 8 / 17 ، عن ابن عباس قال : أقام النبي صلى اللّه عليه وسلم -