محمد الغزالي

384

فقه السيرة ( الغزالي )

قال : لا شيء ! كنت أذكر اللّه ! ! فضحك النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ثم قال : « استغفر اللّه » . وتلطّف معه الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فوضع يده على صدره ، فانصرف الرجل وهو يقول : ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق اللّه شيء أحبّ إليّ منه « 1 » . وكانت لفضالة في جاهليته هنات ، فمرّ - وهو راجع إلى أهله - بامرأة لها معه شأن . فلما رأته قالت : هلمّ إلى الحديث ! فانبعث يقول : قالت : هلمّ إلى الحديث ، فقلت : لا * يأبى عليك اللّه والإسلام لو ما رأيت محمّدا وقبيله * بالفتح يوم تكسّر الأصنام لرأيت دين اللّه أضحى بيّنا * والشرك يغشى وجهه الإظلام وصعد بلال فوق ظهر الكعبة ، فأذّن للصلاة ، وأنصت أهل مكة للنداء الجديد على اذانهم كأنهم في حلم ، إنّ هذه الكلمات تقصف في الجوّ فتقذف بالرعب في أفئدة الشياطين ، فلا يملكون أمام دويّها إلا أن يولوا هاربين ، أو يعودوا مؤمنين . اللّه أكبر اللّه أكبر ، اللّه أكبر اللّه أكبر . هذه الصيحات المؤكدة تذكّر الناس بالغاية الأولى من محياهم ، وبالمرجع الحق بعد مماتهم ، فكم ضلّلت البشر غايات صغيرة ، أركضتهم على ظهر الأرض ركض الوحوش في البراري ، واجتذبت انتباههم كلّه ، فاستغرقوا في السعي وراء الحطام ! وامتلكت عواطفهم كلها ، فالحزن يقتلهم للحرمان ، والفرح يقتلهم بالامتلاء ، ولم يسفّه المرء نفسه بالغيبوبة في هذه التوافه ؟ . إنّ صوت الحق يستخرجه من وراء هذه الحجب المتراكمة ليلقي في روعه ما كان ينساه ، وهو تكبير سيّد الوجود ، ورب العالمين ، سيده ومولاه . أشهد ألاإله إلا اللّه ، أشهد ألاإله إلا اللّه . لقد سقط الشركاء جميعا ، طالما تضرّع الناس للوهم ، واعتزّوا بالهباء ، وأمّلوا الخير فيمن لا يملك لنفسه نفعا ، وانتظروا النجدة ممن لا يدفع عن نفسه عدوان ذبابة . ولم الخبط في هذه المتاهات ؟ إن كان المغفّلون يشركون مع اللّه بعض خلائقه أو يؤلهونها دونه ؟ فالمسلمون لا يعرفون إلا اللّه ربّا ، ولا يرون غيره موئلا . والتوحيد المحض ، هو المنهج العتيد للغاية التي استهدفوها .

--> ( 1 ) ضعيف ، رواه ابن هشام : 2 / 276 ، بإسناد معضل .