محمد الغزالي

382

فقه السيرة ( الغزالي )

إلا من قاتلهم « 1 » فدخلت سائر الفرق من أنحاء مكة الأخرى . ودخل ( خالد بن الوليد ) من أسفل مكة . وكان هناك نفر من قريش غاظهم هذا التسليم ، فتجمّعوا عند ( الخندمة ) يقودهم ( عكرمة بن أبي جهل ) و ( سهيل بن عمرو ) و ( صفوان بن أمية ) ، إلا أنّ الحقيقة الكبيرة صدمت غرورهم فبددته ، فإن خالدا حصدهم حصدا ، حتى لاذ القوم بالفرار ، ومن طريف ما وقع أنّ ( حماس بن خالد ) من قبيلة بني بكر ، كان قد أعدّ سلاحا لمقاتلة المسلمين ، وكانت امرأته إذا رأته يصلحه ويتعهده تسأله : لماذا تعدّ ما أرى ؟ فيقول : لمحمد وأصحابه ، وقالت امرأته له يوما : واللّه ما أرى أنّه يقوم لمحمد وصحبه شيء ! فقال : إنّي واللّه لأرجو أن أخدمك بعضهم . . . ثم قال : إن يقبلوا اليوم فما علي علّه * هذا سلاح كامل وألّه « 2 » وذو غرارين سريع السّله فلما جاء يوم الفتح ناوش حماس هذا شيئا من قتال مع رجال عكرمة . ثم أحسّ بالمشركين يتطايرون من حوله أمام جيش خالد ، فخرج منهزما حتى بلغ بيته فقال لامرأته : أغلقي عليّ الباب . . ! . فقالت المرأة لفارسها المعلم : فأين ما كنت تقول ؟ فقال - يعتذر - لها : إنّك لو شهدت يوم الخندمه * إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة وأبو يزيد قائم كالمؤتمه « 3 » * واستقبلتهم بالسيوف المسلمة يقطعن كلّ ساعد وجمجمه * ضربا فلا تسمع إلا غمغمه لهم نهيت « 4 » خلفنا وهمهمه * لم تنطقي باللّوم أدنى كلمه ! ! وسكنت مكة ، واستسلم سادتها وأتباعها ، وعلت كلمة اللّه في جنباتها ، ثم نهض رسول اللّه إلى البيت العتيق فطوّف به ، وأخذ يكسّر الأصنام المصفوفة حوله ، ويضربها بقوسه ظهرا لبطن ، فتقع على الأرض مهشمة متناثرة . كانت هذه الحجارة - قبل ساعة - آلهة مقدسة ، وهي - الان - جصّ وتراب

--> ( 1 ) ذكره ابن هشام : 3 / 273 ، عن ابن إسحاق بدون إسناد . ( 2 ) ألّة : حربة . ( 3 ) المؤتمة : الأسطوانة ، وأبو يزيد : سهيل بن عمر . ( 4 ) النهيت : صوت الصدر .