محمد الغزالي

379

فقه السيرة ( الغزالي )

قال أبو سفيان زعيم مكة : ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا ! ! . فقال بديل بن ورقاء : هذه - واللّه - خزاعة ، حمشتها الحرب . فردّ أبو سفيان : خزاعة أقلّ وأذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها . وكان المسلمون على خطتهم المرسومة ، يبثون العيون حولهم ، حتى يأخذوا قريشا على غرّة ، فلا ترى من التسليم بدّا ، فعثرت خيالتهم على رجال قريش أولئك ، ومعهم حكيم بن حزام ، فأخذتهم ، وعادت بهم مسرعة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولحق العباس بالأسرى وهو يعلن أنّهم في جواره ، فلما دخلوا على النبي صلى اللّه عليه وسلم حادثهم عامّة الليل ، فانشرحت صدورهم بالإسلام ، وإن كان أبو سفيان قد تأخّر إسلامه حتى طلع الصبح . . . ثم سألوه الأمان لقريش ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من دخل دار أبي سفيان فهو امن ، ومن دخل المسجد فهو امن ، ومن أغلق بابه فهو امن » « 1 » . وإنما أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا سفيان هذه الميزة إرضاء لعاطفة الفخر في نفسه ، وقد أرضاه بما لا يضرّ أحدا ، ولا يكلّف جهدا ، ولا عليه أن يتحبّب إلى نفس بمثل هذا الثمن الميسور . وأراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يستوثق من سير الأمور بعيدا عن الحرب والضرب ، فضمّ إلى ذلك المسلك مع أبي سفيان أن أوصى العبّاس باحتجازه في مضيق الوادي ، حتى يستعرض القوى الزاحفة كلّها ، فلا تبقى في نفسه أثارة لمقاومة ، وهو سيد مكة المتبوع ، قال العباس : فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي ، حيث أمرني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومرّت القبائل على راياتها ، كلّما مرت قبيلة قال : يا عباس ! من هؤلاء ؟ فأقول : سليم ! فيقول : ما لي ولسليم ؟ ثم تمرّ به القبيلة ، فيقول : يا عباس ! من هؤلاء ؟ فأقول : مزينة !

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه ابن هشام : 2 / 268 ، عن ابن إسحاق معضلا ؛ لكن وصله عند ابن جرير : 2 / 330 - 332 ، عن حسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عباس ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وحسين هذا ضعيف ، لكن قال الهيثمي في ( المجمع : 6 / 165 - 167 ) : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ، فالظاهر أنّه عنده من غير هذا الطريق الضعيف ؛ ورواه أبو داود : 2 / 41 ، عن ابن إسحاق بإسناد اخر له عن ابن عباس وفيه رجل لم يسم ، وله عنده إسناد ثالث ورجاله ثقات . لكن لم يصرح فيه ابن إسحاق بالسماع ثم أخرجه هو ومسلم : 5 / 172 - 173 ، من حديث أبي هريرة ، إلا أنه قال : « ومن ألقى السلاح فهو امن » ، بدل : « ومن دخل المسجد فهو امن » .