محمد الغزالي
374
فقه السيرة ( الغزالي )
الفتح الأعظم شغل المسلمون بعد عهد الحديبية بنشر الدعوة ، وعرض تعاليم الإسلام على كل ذي عقل ، وكان وفاؤهم لقريش أمرا مقررا فيما أحبوا وفيما كرهوا . ورأى الناس من ذلك الآيات البينات ! ! . لكنّ قريشا ظلّت على جمودها القديم في إدارة سياستها ، غير واعية للأحداث الخطيرة التي غيّرت مجرى الأحوال في الجزيرة العربية ، وتوشك أن تغيره في العالم كله . وقد جرها فقدان هذا الوعي إلى حماقة كبيرة ، أصبح بعدها عهد الحديبية لغوا ، وذلك أنها مع حلفائها من بني بكر هاجموا خزاعة - وهي مع المسلمين في حلف واحد - وقاتلوهم ، فأصابوا منهم رجالا ، وانحازت خزاعة إلى الحرم إذ لم تكن متأهبة لحرب ، فتبعهم بنو بكر يقتلونهم ، وقريش تمدّهم بالسلاح ، وتعينهم على البغي . وأحسّ نفر من بني بكر أنّهم دخلوا الحرم - حيث لا يجوز قتال - فقالوا لرئيسهم نوفل بن معاوية : إنّا قد دخلنا الحرم ، إلهك إلهك . فقال نوفل : لا إله اليوم يا بني بكر . . أصيبوا ثأركم . . ! ! . وفزعت خزاعة لما حلّ بها ، فبعثت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( عمرو بن سالم ) يقصّ عليه نبأها ، فلمّا قدم المدينة وقف على النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس يقول : يا ربّ إنّي ناشد محمّدا * حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدا وكنّا والدا * ثمّت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك اللّه نصرا أعتدا * وادع عباد اللّه يأتوا مددا فيهم رسول اللّه قد تجرّدا * أبيض مثل البدر يسمو صعدا إن سيم خسفا وجهه تربّدا * في فيلق كالبحر يجري مزيدا