محمد الغزالي

353

فقه السيرة ( الغزالي )

تأديب الأعراب أما عبدة الأصنام من البدو ، فإنّ المسلمين شرعوا يتعقبونهم مذ خلصوا من مشكلات اليهود ، وقد أشرنا إلى أنّ شمل هؤلاء الأعراب انتكث بعد الموادعة التي تمّت في الحديبية بين قريش والمسلمين ، كانوا أمس يحاصرون دار الإسلام أحزابا متحدة ، لكن الحال تبدّلت اليوم ؛ تمزّق بنو إسرائيل ، وانسحب أهل مكة ، وأمكن للمسلمين أن ينفردوا بأولئك القوم قبيلة إثر قبيلة ، ولن يعجز المسلمون عن حسم شرورهم ووقف فوضاهم . إنّ البدو جنس جاف غليظ ، ولن ننسى أنهم حتى القرن الأخير كانوا يستمرئون الفتك بقوافل الحجاج ، وقد يذبحون الحاجّ لدراهم معدودة . وعلمهم بشؤون الدنيا وحقوق الآخرة يعيي المدرسين ، وقد بذل الإسلام جهودا جبارة في رفع مستواهم المادي والأدبي ، إلا أنّ اغتيال الدعاة من القراء المربين جعل الإسلام يظاهر رجاله هؤلاء بالقوة التي تمنع الشغب ، وتقطع دابر الفساد . وكان بث السرايا في فيافي ( نجد ) من أهمّ ما شغل المسلمين بعد ما رجعوا من خيبر في صفر من السنة السابعة ، حتى شدّوا الرحال إلى مكة لعمرة القضاء ، كما نصّ على موعدها في عهد الحديبية . ولا يعنينا كثيرا أن نتبع هذه السرايا في مسيرها ، فهي - وإن وطدت هيبة المسلمين العسكرية - أقرب إلى فرق الشرطة منها إلى الجيوش المعبأة . والهدف الأكبر من بعثها توطيد الأمن ، ومنع الغارات على المدينة ، وتمكين الدعاة إلى اللّه من أن يجوبوا الآفاق بتعاليم الرسالة دون غدر أو خيانة . إن أحوال هذه القبائل قريبة الشبه بأحوال قرانا في عهد الإقطاع القريب ، كان العمدة يملك ألف صوت ناخب في قريته ، فالحديث عن الحرية السياسية في هذا الجوّ ( حديث خرافة ) . كذلك كان رؤساء القبائل الأولون ، تلتفّ حولهم