محمد الغزالي

336

فقه السيرة ( الغزالي )

ثم هاجت في نفوس المسلمين مرة أخرى خيبة الأمل ، لقد حدّثوا أنهم داخلون في المسجد الحرام ، وها هم أولاء قد ارتدوا عنه ، لكنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيّن أنهم عائدون إلى دخوله كما وعدوا ، فهو لم يذكر لهم أنّهم سيطوفون به هذا العام . وعرا المسلمين وجوم ثقيل لهذه النهاية الكئيبة ، وزاغت نظراتهم لما ركبهم من الحرج المفاجئ ، فلمّا فرغ الرسول صلى اللّه عليه وسلم من قضية الكتاب ، قال لهم : « قوموا فانحروا ثمّ احلقوا » - ليتحللوا من عمرتهم ، ويعودوا إلى المدينة - فلم يقم منهم رجل ! حتى قال ذلك ثلاث مرات ! فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقي من النّاس ، فقالت أم سلمة : يا رسول اللّه ! أتحبّ ذلك ؟ اخرج ، ثمّ لا تكلّم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك . فخرج ، فلم يكلّم أحدا منهم حتى فعل ذلك . فلمّا رأى المسلمون ما صنع النبي صلى اللّه عليه وسلم زاح عنهم الذهول ، وأحسوا خطر المعصية لأمره ، فقاموا - عجلين - ينحرون هداهم ، ويحلق بعضهم بعضا ، حتى كاد بعضهم يقتل الاخر لفرط الغمّ « 1 » . [ أحداث ما بعد الحديبية ] : ليت نيات الخير والشر تؤتي ثمارها الحلوة والمرة بالسرعة التي ظهرت في عهد الحديبية الانف ، إنّه لم تمر أيام طوال على إبرامه حتى كان تشدد المشركين فيه وبالا عليهم ، فأخذوا يتشكون من النصوص التي فرضوها أو فرضتها حميتهم الغليظة . ونظر المسلمون كذلك مبهورين إلى عواقب التسامح البعيد الذي أبداه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فوجدوا من بركاته ما ألهج ألسنتهم بالحمد ! . لقد انفرط عقد الكفار في الجزيرة منذ تمّ هذا العقد ، فإنّ قريشا كانت تعتبر رأس الكفر وحاملة لواء التمرد والتحدي للدين الجديد ، وعندما شاع نبأ تعاهدها مع المسلمين خمدت فتن المنافقين الذين يعملون لها ، وتبعثرت القبائل الوثنية في أنحاء الجزيرة ؛ وخصوصا لأنّ قريشا جمدت على سياستها النفعية واهتمت

--> ( 1 ) صحيح ، وهو من تمام قصة الحديبية عند البخاري وأحمد .