محمد الغزالي
330
فقه السيرة ( الغزالي )
[ محاولات للاعتداء ] : إنّ الرجال الذين تكلموا باسم قريش في هذه المفاوضات لم تنهض لهم حجة ، بل إنهم عادوا إلى أهل مكة وهم أميل إلى ملاينة المسلمين ، وتمكينهم من أداء نسكهم ، ولم يلحف بعضهم في التصريح بذلك إلا لما لمسه من كبرياء قريش وعزوفها عن الحق بعد ما تبيّن . إنّ النزق استبدّ بهم ، وأطاش ألبابهم ، فقرّروا ألّا يدخل المسلمون البلد الحرام ، وليكن ما يكون . . وبقي المسلمون في أماكنهم ، يلتمسون للمشكلة حلولا أخرى أفضل من اقتحام مكة في هجوم عام ، وحاول فريق من السفهاء أن يشعل المعركة ، لكنّ المسلمين لزموا الهدوء وملكوا أعصابهم . فعن ابن عباس أن قريشا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين ، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا ، فأخذوا ، وأتي بهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فعفا عنهم ، وخلّى سبيلهم ، وكانوا رموا في العسكر بالحجارة والنبل « 1 » . وفي فظاظة قريش وسماحة المسلمين نزل قوله عز وجلّ : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 26 ) [ الفتح ] . ومن السكينة التي تنزلت على المسلمين أنّ رسل قريش كانت تغدو على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتروح فلا يعترضها أحد ، أما رسل المسلمين إلى قريش فقد تعرّضت للهلاك ، كاد خراش بن أمية الخزاعي يقتل ، لولا أن أنقذه الأحابيش ، فرجع وقد عقر جمله ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام أرسله ليبلّغ أهل مكة حقيقة مجيئه ، وأنّه يريد العبادة لا الحرب . . والرسل لا تقتل ، بيد أنّ غليان قريش أفقدها الوعي .
--> ( 1 ) ضعيف ، رواه ابن هشام : 2 / 228 ، عن ابن إسحاق ، وفيه رجل لم يسم ، ورواه نحوه مختصرا أحمد : 4 / 86 - 87 ، من حديث عبد اللّه بن مغافل بسند صحيح وفيه : أنّ عدد المشركين ثلاثون شابا ؛ وفيهم نزل قول تعالى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ الآية [ الفتح : 24 ] .