محمد الغزالي
328
فقه السيرة ( الغزالي )
ولماذا يشكّون ، وقد سمعوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشريات كثيرة بأنهم سيدخلون المسجد الحرام آمنين ، محلّقين رؤوسهم ومقصّرين ؟ . أما قريش فقد ذعرت لهذا الزحف المباغت ، وفكّرت جادّة في إبعاده عن مكة مهما كلّفها من مغارم ، وذلك أنّها نظرت إلى الأمر من زاوية ضيقة ، فرأت أنّ مهابتها ستنزع من أفئدة الناس قاطبة إذا دخل المسلمون بلدهم على هذا النحو بعد ما وقع من حروب طاحنة . غير أنّ قريشا تعرف حروجة موقفها إن نشب قتال جديد . فحجّتها فيه أمام نفسها وأمام أحلافها داحضة ، وقد ينتهي بكارثة تودي بكيانها كلّه ، ولهذا سيّرت الوسطاء يفاوضون محمّدا صلى اللّه عليه وسلم ، علّهم ينتهون معه إلى مخلص من هذه الورطة ! ! . وكان أول من جاءه ( بديل بن ورقاء ) في رجال من خزاعة ، فكلّموه وسألوه : ما الذي جاء به ؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا ، وإنما جاء زائرا للبيت ومعظّما حرمته . فرجعوا إلى قريش يقولون : يا معشر قريش ! إنّكم تعجلون على محمد ، إن محمدا لم يأت لقتال ، وإنّما جاء زائرا لهذا البيت . فاتّهموهم وجبّهوهم ، وقالوا : وإن كان جاء لا يريد قتالا . . . فو اللّه لا يدخلها علينا عنوة أبدا ، ولا تحدّث بذلك عنا العرب ؟ . ثم بعثت قريش ( مكرز بن حفص ) فعاد بما عاد به بديل الخزاعي . ثم بعثوا سيّد الأحابيش ( الحليس بن علقمة ) فلمّا راه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنّ هذا من قوم يتألّهون ، فابعثوا الهدي في وجهه حتّى يراه » « 1 » . فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي ، عاد إلى قريش قبل أن يصل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إعظاما لما شاهد ، فقال لهم ذلك ، فأجابوه : اجلس إنّما أنت أعرابيّ لا علم لك ، فاستشاط الحليس وصاح : يا معشر قريش ! واللّه ما على هذا حالفناكم ، ولا على هذا عاقدناكم ، أيصدّ عن بيت اللّه من جاء معظّما له ؟ والذي نفس الحليس بيده ، لتخلّنّ بين محمّد وبين ما جاء له ، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد . . فقالوا : مه ، كفّ عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به .
--> ( 1 ) حديث صحيح ، رواه ابن إسحاق في حديث الحديبية .