محمد الغزالي

315

فقه السيرة ( الغزالي )

لا يزالون على غوايتهم ، فقد نظروا إلى المسلمين ثم سبّوا رسول اللّه ونساءه سبّا قبيحا . فرأى عليّ أن يصرف النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بعيدا عن أولئك السفهاء ، فاعترض طريقة وهو مقبل قائلا : يا رسول اللّه ! لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأخابث ، فقال : « لم ؟ أظنّك سمعت لي منهم أذى ؟ » قال : نعم يا رسول اللّه ! قال : « لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا » . فلما دنا من حصونهم قال : « يا إخوان القردة ، هل أخزاكم اللّه وأنزل بكم نقمته ؟ » « 1 » قالوا : يا أبا القاسم ! ما كنت جهولا . هذه خلال اليهود ، يسفهون إذا أمنوا ، ويقتلون إذا قدروا ، ويذكّرون الناس بالمثل العليا إذا وجلوا ؛ ليستفيدوا منها واحدهم لا لشيء اخر . أما العهود ، فهي اخر شيء في الحياة يقفون عنده . على أنّ سفاهتهم لم تغنهم ، فقد أحكم المسلمون الحصار عليهم ، وأمسكوا بخناقهم فاستيقن القوم أنّ الاستسلام لا محيص عنه ، وامتلأت قلوبهم باليأس والفزع . قال ( كعب ) سيد بني قريظة : يا معشر يهود ! قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وإنّي عارض عليكم خلالا ثلاثا ، فخذوا أيها شئتم ، قالوا : وما هي ؟ . قال نتابع هذا الرجل ونصدّقه ، فو اللّه لقد تبيّن لكم أنّه لنبيّ مرسل ، وأنه للّذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم . قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا ، ولا نستبدل به غيره . قال : فإذا أبيتم عليّ فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج إلى محمّد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف ، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم اللّه بيننا وبين محمد وأصحابه ، فإن نهلك ، نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه ، وإن نظهر ، فلعمري لنجدنّ النساء والأبناء . قالوا : نقتل هؤلاء المساكين ؟ فما خير العيش بعدهم . قال : فإن أبيتم عليّ هذه ، فإن الليلة ليلة السبت ، وإنّه عسى أن يكون

--> ( 1 ) ضعيف ، أخرجه ابن إسحاق عن الزهري مرسلا ؛ وعنه ابن هشام : 2 / 194 - 195 ؛ ورواه الحاكم : 3 / 34 - 35 ، من حديث ابن عمر ؛ وإسناده ضعيف .