محمد الغزالي
310
فقه السيرة ( الغزالي )
قال حذيفة : وأوصاني الرسول صلى اللّه عليه وسلم - حين ولّيت - ألّا أحدث في القوم حدثا حتى اتيه ، فلما دنوت من معسكر القوم ، نظرت ضوء نار توقد ، وإذا رجل أدهم ضخم يمد يديه إلى النار مستدفئا ، ويمسح خاصرته ، ويقول : الرحيل الرحيل ، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك ، فوضعت سهما في كبد قوسي وأردت أن أرميه ، ثم ذكرت وصاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأمسكت ، ولو رميته لأصبته . وأحسست عصف الريح في جنبات المعسكر ، لا تقرّ قدرا ولا نارا ولا بناء ، ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش إنّكم واللّه ما أصبحتم بدار مقام ، قد هلك الكراع والخفّ ، وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من شدة الريح ما ترون ، ما تطمئن لنا قدر ، ولا تقوم لنا نار ، ولا يستمسك لنا بناء ، فارتحلوا فإنّي مرتحل ، ثم قام إلى جمله وهو معقول ، فجلس عليه ، ثم ضربه فوثب به على ثلاث ، فو اللّه ما أطلق عقاله إلا وهو قائم . . . « 1 » . ورجع حذيفة إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقصّ عليه ما رأى . . . وطلع النهار فإذا ظاهر المدينة خلاء . . ارتحلت الأحزاب ، وانفكّ الحصار ، وعاد الأمن ، ونجح الإيمان في المحنة ! . وهتف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لا إله إلّا اللّه واحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وأعزّ جنده ، وهزم الأحزاب واحده ، فلا شيء بعده . . ! » « 2 » .
--> ( 1 ) هذه القصة صحيحة ، وسياقها - هنا - مركب من ثلاث روايات : الأولى : عند الحاكم والبيهقي في الدلائل ، من طريق عبد العزيز ابن أخي حذيفة عن حذيفة . وقد ذكر لفظه ابن كثير في التاريخ : 4 / 114 - 115 . الثانية : عند ابن هشام في ( السيرة ) : 2 / 194 ، عن محمد بن إسحاق بسنده عن محمد بن كعب القرظي عن حذيفة ، وكذلك أخرجه أحمد : 5 / 392 - 393 ، من مسند حذيفة عن ابن إسحاق ، وظاهر إسناده الاتصال ، فهو صحيح . والرواية الثالثة : أخرجها مسلم : 5 / 177 - 178 ، من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه عن حذيفة . ولها طريق رابعة : أخرجها الحاكم في ( المستدرك ) : 3 / 31 ، من طريق بلال العبسي عن حذيفة . وقال : « صحيح الإسناد » ، ووافقه الذهبي ؛ وأخرجه البزار أيضا كما في ( المجمع ) : 6 / 136 ، وقال : « ورجاله ثقات » . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( غزوة الخندق ) من صحيحه : 7 / 326 ، من حديث أبي هريرة : أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول . . . فذكره ، وهذا مطلق ليس فيه ذكر الخندق . واللّه أعلم .