محمد الغزالي
307
فقه السيرة ( الغزالي )
ضاق الأعراب النازلون بالعراء ذرعا لهذا المقام الغريب ، لقد خيّموا حول أطراف يثرب أياما لا تؤذن بدايتها بانتهاء ، وهم لم يجيئوا ليستنفدوا قواهم أمام خندق صعب الاجتياز ، وجبال رابط المسلمون أمامها ، واستقتلوا دون أن يقترب أحد منها . . ثم إنّ الجوّ اغبرت أرجاؤه ، وترادفت أنواؤه ، وهبّت الرياح نكباء موحشة الصفير ، تكاد في هبوبها تطوي الخيام المبعثرة ، وتطير بها في الآفاق ! . والصلة بين أولئك الحلفاء لا تغري بدوام الثقة ، إنّ غطفان وقبائل نجد أقبلت يحدوها السلب والنهب ، وهي قد قبلت العودة من حيث أتت عندما أغريت ببعض ثمار المدينة لولا أن المسلمين كبر عليهم أن يطعموهم منها رهبا . وماذا صنعت بنو قريظة ؟ نقضت الموثق ، ونكصت عن الهجوم منتظرة من العرب أن يقوموا هم به ! . إنّ يهوديا خرج يطوف بحصن للمسلمين ، فنزلت إليه صفية بنت عبد المطلب فقتلته ، ولا غرو ، فهي أخت حمزة ! . وتلفّت أبو سفيان يمنة ويسرة ، يتطلّب عونا على ما يبغي فلا يرى مأمنا ، مما أوقع الوهن في قلبه وفي صفوف قريش معه . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعرف هذا التصدّع الخفي في صفوف الأحزاب ؟ فاجتهد أن يبرزه ، ويوسّع شقته ، ويستغله لجانبه ، فلما جاء ( نعيم بن مسعود ) مسلما ، أوصاه أن يكتم إسلامه وردّه على المشركين يوقع بينهم ، وقال له : « إنما أنت فينا رجل واحد ، فخذّل عنا إن استطعت ، فإنّ الحرب خدعة » . فخرج ( نعيم ) حتى أتى بني قريظة - وكان لهم نديما في الجاهلية - فقال : يا بني قريظة ! قد عرفتم ودّي إياكم ، وخاصة ما بيني وبينكم ، قالوا : صدقت ، لست عندنا بمتّهم ، فقال لهم : إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم ، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا تقدرون على أن تحوّلوا منه إلى غيره ، وإنّ قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره ، فليسوا كأنتم ، فإن رأوا نهزة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم ، وخلّوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ، ولا طاقة لكم به إن خلا