محمد الغزالي
303
فقه السيرة ( الغزالي )
في هذه الساعة الحرجة ، وأن يضمّهم إلى المشركين في قتالهم الذي أعلنوه ، وجعلوا الغاية منه ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمّدا ومن معه ، ومضيّا في هذه الخطة الجائرة الخسيسة أحضرت بنو قريظة الصحيفة التي كتب فيها الميثاق فمزّقتها ، فلما بعث النبي عليه الصلاة والسلام رجاله ليستجلوا موقف بني قريظة بإزاء عدوان الأحزاب قالوا : من رسول اللّه ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ! . وحاول سعد بن معاذ أن يذكّرهم بعقدهم فتصامّوا عنه . فلمّا خوّفهم عقبى الغدر ، وذكر لهم مصير بني النضير ، قالوا له : أكلت ذكر أبيك . وتبيّن أنّ حرص بني قريظة الأول على التزام العهد كان خوفا من عواقب الغدر فقط ، فلما ظنت أن المسلمين أحيط بهم من كل جانب ، وأنّها لن تؤاخذ على خيانة ، أسفرت عن خيانتها ، وانضمت إلى المشركين المهاجمين . ووجم المسلمون حين عادت رسلهم تحمل هذه الأنباء المقلقة ، وربت مشاعر الكره في صدورهم لأولئك اليهود ؛ حتى لأصبحوا أشوه أمام أعينهم من عبّاد الأصنام ، ووعوا أتم الوعي أن بني إسرائيل أقدموا على قرارهم هذا وهم يعلمون معناه وعقباه ، يعلمون أنه محاولة متعمدة للإجهاز على هذه الأمة ودينها ، وتسليمها إلى من يقتل رجالها ، ويسترق نساءها ، ويبيع ذراريها في الأسواق . وتقنّع الرسول عليه الصلاة والسلام بثوبه حين أتاه غدر بني قريظة ، فاضطجع ، ومكث طويلا ، حتى اشتدّ على الناس البلاء ، ثم غلبته روح الأمل ، فنهض يقول : « أبشروا بفتح اللّه ونصره » ! وفكر في أن يردّ عن المدينة بعض القبائل التي فرضت الحصار لقاء ثلث الثمار يبذله لها ويتقي به شرها ، وكاد يصل في مفاوضاته مع قواد غطفان إلى هذا الحل . ولكن سادة الأوس والخزرج عزّ عليهم أن يرضوا به ، وقدّروا للنبي عليه الصلاة والسلام شفقته عليهم ، وألمه لاجتماع العرب ضدّهم ؛ بيد أنهم قالوا : ما لنا بهذا من حاجة ، واللّه لا نعطيهم إلا السيف ، حتى يحكم اللّه بيننا وبينهم ، وطال الحصار . قال موسى بن عقبة : وأحاط المشركون بالمسلمين ، حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم ، فحاصروهم قريبا من عشرين ليلة ، وأخذوا بكلّ ناحية حتى