محمد الغزالي

301

فقه السيرة ( الغزالي )

العظمى كان فيها أشبه بمصير رجل يمشي على حافة قمة سامقة ، أو حبل ممدود ، فلو اختلّ توازنه لحظة ؛ وفقد السيطرة على موقفه ؛ لهوى من مرتفعه إلى واد سحيق ، ممزّق الأعضاء ، ممزّع الأشلاء ! ولقد أمسى المسلمون وأصبحوا فإذا هم كالجزيرة المنقطعة وسط طوفان يتهددها بالغرق ليلا أو نهارا . وبين الحين والحين يتطلع المدافعون هل اقتحمت خطوطهم في ناحية ما من منطقة الدفاع ؟ وكان المشركون يدورون حول المدينة غضابا يتحسّسون نقطة لينحدروا منها فينفسوا عن حنقهم المكتوم ، ويقطّعوا أوصال هذا الدين الثائر . وعرف المسلمون ما يتربّص بهم وراء هذا الحصار ، فقرروا أن يرابطوا في مكانهم ينضحون بالنبل كل مقترب ، ويتحمّلون لأواء هذه الحراسة التي تنتظم السهل والجبل ، وتتسع ثغورها يوما بعد يوم ، وهم كما وصف اللّه تعالى : إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ( 11 ) [ الأحزاب ] . وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول المدينة على هذا النحو ، فإنّ فرض الحصار وترقّب نتائجه ليس من شيمهم ، فخرج عمرو بن عبد ودّ ، وعكرمة بن أبي جهل ، وضرار بن الخطاب ، وأقبلوا تعنق بهم خيلهم ، حتى وقفوا على حافة الخندق ، فلما رأوه قالوا : واللّه إنّ هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها . ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق ، وضربوا خيلهم فاقتحمته ، وأحس المسلمون الخطر المقترب ؛ فأسرع فرسانهم يسدّون هذه الثغرة يقودهم علي بن أبي طالب . وقال علي لعمرو بن عبد ود - وهو فارس شجاع معلم - : يا عمرو إنك عاهدت اللّه لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه . قال : أجل ، فقال علي : فإني أدعوك إلى اللّه وإلى رسوله وإلى الإسلام ! قال عمرو : لا حاجة لي بذلك ، قال علي : فإني أدعوك إلى النزال ، فأجاب عمرو : ولم يا بن أخي ؟ فو اللّه ما أحبّ أن أقتلك استصغارا لشأنه - قال علي : لكنّي واللّه أحبّ أن أقتلك ! فحمي عمرو ، واقتحم عن فرسه ، فعقره ، وضرب وجهه ، ثم أقبل على علي ، فتنازلا وتجاولا ، فقتله علي ، وخرجت خيل المشركين من الخندق منهزمة حتى اقتحمته هاربة . وكان الأولاد في البيوت يرقبون جهاد المدافعين ، وحركاتهم السريعة لصد العدوان في مظانه ، فعن عبد اللّه بن الزبير قال : جعلت يوم الخندق مع النساء