محمد الغزالي

295

فقه السيرة ( الغزالي )

قالت عائشة : وأيم اللّه لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزّل اللّه فيّ قرانا ، لكنّي كنت أرجو أن يرى النبيّ عليه والصلاة والسلام في نومه شيئا يكذّب اللّه به عنّي ؛ لما يعلم من براءتي ؛ أمّا قرانا ينزل فيّ ، فو اللّه ، لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك . قالت : فلمّا لم أر أبويّ يتكلّمان قلت لهما : ألا تجيبان رسول اللّه ، فقالا : واللّه لا ندري بما نجيبه ، قالت : واللّه ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام . ثم قالت : فلمّا استعجما عليّ استعبرت فبكيت ، ثم قلت : واللّه لا أتوب إلى اللّه مما ذكرت أبدا ، واللّه إنّي لأعلم لئن أقررت بما يقول النّاس - واللّه يعلم أنّي بريئة - لأقولنّ ما لم يكن ، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدّقونني . قالت : ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره ، فقلت : أقول ما قال أبو يوسف : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [ يوسف : 18 ] . فو اللّه ما برح رسول اللّه مجلسه حتى تغشّاه من اللّه ما كان يتغشّاه ، فسجّي بثوبه ، ووضعت وسادة تحت رأسه ، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت ، فو اللّه ما فزعت وما باليت ، وقد عرفت أنّي بريئة ، وأنّ اللّه غير ظالمي ، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سرّي عن رسول اللّه حتى ظننت لتخرجنّ أنفسهما فرقا أن يأتي من اللّه تحقيق ما قال الناس ، ثم سرّي عن رسول اللّه فجلس ، وإنّه ليتحدّر من وجهه مثل الجمان في يوم شات ، فجعل يمسح العرق عن وجهه ، ويقول : « أبشري يا عائشة ! قد أنزل اللّه عز وجلّ براءتك » . فقلت : الحمد للّه ، ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم الآيات : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 11 ) [ النور ] « 1 » . والغريب أنّ الحدّ أقيم على من ثبتت عليهم تهمة القذف ، وهم ( حسان بن ثابت ) و ( مسطح ) و ( حمنة ) ، أما ( عبد اللّه بن أبي ) مدبّر الحملة وجرثومتها الخفية ، فإنّه كان أحذر من أن يقع تحت طائلة العقاب ، لقد أوقع غيره ثم أفلت بنفسه . . .

--> ( 1 ) هذه القصة صحيحة ، رواها بهذا السياق ابن إسحاق بأسانيد صحيحة عن عائشة ، ومن طريقه أخرجها ابن هشام في ( السيرة ) : 2 / 220 - 222 ؛ وهي عند البخاري : 7 / 347 - 350 ؛ ومسلم : 8 / 113 - 117 ، بنحو ما هنا .