محمد الغزالي
282
فقه السيرة ( الغزالي )
الضاغنين ، وقد كان الناقمون والمتربّصون يصفون المسلمين بالغرور : إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 49 ) [ الأنفال ] ، غير أنّ هذه الكراهية اختفت أمدا بعد انتصار ( بدر ) بل لعلّ هذا النصر أغرى جمهورا من الضعاف والمترددين بالانضواء تحت علم الدّين الجديد . فلما تقلّبت الليالي بالمسلمين ، ولحقتهم الهزائم ، انفجر الحقد المكبوت ، ونهض خصوم الإسلام يناوشونه في كل مكان . وقد قلنا : إنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم أدرك هذه الحال بعد ( أحد ) فبذل جهده ليستعيد هيبة المسلمين ، ويوطّد ما اضطرب من مكانتهم ، ولذلك اشتدّ الصراع بين الجانبين : المشركون يظنّون الفرصة سانحة لاتباع ( أحد ) بمثلها أو أشدّ ، والمسلمون يرون محوها إلى الأبد . على أنّ الخسائر تلاحقت بالمسلمين في الرجيع وبئر معونة كما مر بك ، ودخل الإيمان في محنة بعد أخرى ، ومع هذه البأساء لم يفقد الرجال الواثقون صلتهم بربهم ، واطمئنانهم إلى غدهم ، وشرعوا يردّون الضربة بمثلها ، فلمّا تحرّك اليهود في هذه الآونة العصيبة ليغتالوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يتوان في إنزال العقوبة الرادعة بهم .