محمد الغزالي
272
فقه السيرة ( الغزالي )
المسلمون قيمة الطاعة ، فالجماعة التي لا يحكمها أمر واحد ، أو التي تغلب على أفرادها وطوائفها النزعات الفردية النافرة لا تنجح في صدام ، بل لا تشرّف نفسها في حرب أو سلام . والأمم كلّها - مؤمنها وكافرها - تعرف هذه الحقيقة ، ولذلك قامت الجندية على الطاعة التامة ، وعندما تشتبك أمة في حرب ، تجعل أحزابها جبهة واحدة ، وأهواءها رغبة واحدة ، وتخمد كلّ تمرّد أو شذوذ ينجم في صفوفها . وإحسان الجندية كإحسان القيادة . فكما أنّ إصدار الأوامر يحتاج إلى حكمة ، فإن إنفاذها يحتاج إلى كبح وكبت ، ولكن عقبى الطاعة في هذه الشؤون تعود على الجماعة بالخير الجزيل . وأسرع الناس إلى الشغب والتمرد من أقصوا عن الرئاسة وهم إليها طامحون . وكان عبد اللّه بن أبيّ مثلا لهذه الفئة ، التي تضحّي بمستقبل الأمة في سبيل أطماعها الخاصة . أمّا الرماة الذين عصوا الأوامر بلزوم أماكنهم مهما كانت أطوار القتال فقد مرّت بهم فترة ضعف وذهول ، تيقظت - خلالها - بقية في أنفسهم من حبّ الدنيا ، والإقبال على عرضها الزائل ، فكان إثر ذلك ما كان ! . ولذلك لما دهش المسلمون للكارثة التي قلبت عليهم الأمور ، بيّن اللّه لهم أنهم هم مصدرها ، فما أخلفهم موعدا ، ولا ظلمهم حقا . أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 165 ) [ آل عمران ] . إن الإسلام يشترط لكمال العمل وقبوله الإيمان ، والاحتساب ، والتجرّد . شهداء أحد : أخذت قريش طريقها إلى مكة وقد استخفّها النّصر الذي أحرزته . إنها طارت به على عجل ، كأنّها غير واثقة مما نالت بعد الهزيمة التي حاقت بها أول القتال ! ! . وأقبل المسلمون يتحسّسون مصابهم في الرجال ، ويجهّزون القتلى لمضاجعهم التي يبرزون منها للقاء اللّه يوم ينفخ في الصور .