محمد الغزالي

270

فقه السيرة ( الغزالي )

في المرة الأولى قال : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 67 ) لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 68 ) [ الأنفال ] . أما في أحد فقال : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 152 ] . حسب المخطئين ما لحقهم من أوضار الهزيمة ، وفي القصاص العاجل درس يذكّر المخطئ بسوء ما وقع فيه . وقد اتجهت الآيات إلى مزج العتاب الرقيق بالدرس النافع وتطهير المؤمنين ، حتى لا يتحوّل انكسارهم في الميدان إلى قنوط يفلّ قواهم ، وحسرة تشل إنتاجهم : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 137 ) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( 138 ) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) [ آل عمران ] . ثم مضى الوحي يعلّم المسلمين ما جهلوا من سنن الدين والحياة ، أو يذكّرهم بما نسوا من ذلك ، فبيّن أنّ المؤمن - مهما عظمت باللّه صلته - فلا ينبغي أن يغترّ به ، أو يحسب الدنيا دانت له ، أو يظنّ قوانينها الثابتة طوع يديه . كلا ، كلا ؛ فالحذر البالغ والعمل الدائم هما عدتا المسلم لبلوغ أهدافه المرسومة ، ويوم يحسب المسلم أنّ الأيام كلها كتبت له ، وأنّ شيئا منها لن يكون عليه ، وأنّ أمجاد الدارين تنال دون بذل التكاليف الباهظة ، فقد سار في طريق الفشل الذريع . إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [ آل عمران : 140 ] . أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) [ آل عمران ] . وأولو الألباب يستحيون أن يطلبوا السلعة الغالية بالثّمن التافه ، وهم يبدون استعدادهم للتضحية بأنفسهم لقاء ما ينشدون ؛ بيد أن الاستعداد أيام الأمن يجب ألا يزول أيّام الروع .