محمد الغزالي

262

فقه السيرة ( الغزالي )

وأقبل أبي بن خلف الجمحيّ على النبي عليه الصلاة والسلام - وكان قد حلف أن يقتله - وأيقن أنّ الفرصة سانحة ، فجاء يقول : يا كذّاب أين تفر ! وحمل على الرسول صلى اللّه عليه وسلم بسيفه . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « بل أنا قاتله إن شاء اللّه » ، وطعنه في جيب درعه طعنة وقع منها يخور خوار الثور ، فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات « 1 » . ومضى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يدعو المسلمين إليه ، واستطاع - بالرجال القلائل الذين معه - أن يصعد فوق الجبل ، فانحازت إليه الطائفة التي اعتصمت بالصخرة وقت الفرار . وفرح النبي عليه الصلاة والسلام أن وجد بقية من رجاله يمتنع بهم ، وعاد لهؤلاء صوابهم إذ وجدوا الرسول حيا وهم يحسبونه مات . ويبدو أن إشاعة قتل النبي صلى اللّه عليه وسلم سرت على أفواه كثيرة ، فقد مرّ أنس بن النضر بقوم من المسلمين ألقوا أيديهم ، وانكسرت نفوسهم ، فقال : ما تنتظرون ؟ . قالوا : قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ! فقال : وما تصنعون بالحياة بعده ؟ . قوموا فموتوا على ما مات عليه . . . ثم استقبل المشركين ، فما زال يقاتلهم حتى قتل . . . ولم تتوان قريش من جانبها في مهاجمة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ومن انحاز إليه من أصحابه بغية الإجهاز عليه وعليهم ، ومرّت ساعة عصيبة من أحرج الساعات في تاريخ الدنيا ، وفرسان المشركين ورماتهم يحملون - بعناد وإلحاح - لتحقيق أمنيتهم ، فقتل بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم خلق كثير ، وهم ينافحون دونه ، جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه ، ثم سقط بين حي وميت ، وترّس عليه أبو دجانة بظهره ، فكان النبل يقع فيه وهو لا يتحرك . روى مسلم : أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش ، فلما أرهقه المشركون قال : « من يردّهم عنّي وله الجنّة ؟ » فتقدّم رجل

--> ( 1 ) هو من حديث السدي المتقدم ، وقال ابن كثير : إنه غريب جدا وفيه نكارة لكن هذا القدر ؛ وهو قصة قتله صلى اللّه عليه وسلم لأبي بن خلف له شاهد من رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير ، ومن رواية الزهري عن سعيد بن المسيّب ، كما في ( البداية ) : 4 / 32 ، وكلاهما مرسل .