محمد الغزالي
252
فقه السيرة ( الغزالي )
مناوشات مع قريش لم يغترّ المسلمون بالنصر الذي نالوه في ( بدر ) ، ولم يفتروا عن مراقبة خصومهم والإعداد لهم ، وقد علموا علم اليقين أنّ مكة لن تني عن الانتقام لنفسها ، ولن تستكين للكارثة التي حلّت بها . ورأى أبو سفيان - حفظا لمكانة قومه ، وإبرازا لما لديهم من قوة - أن يتعجّل عملا قليل المغارم ظاهر الأثر ، فقرّر أن يفاجئ المدينة بغارة خاطفة يعود عقيبها وقد رد لقريش بعض سمعتها ، وألحق بالمسلمين ما يستطيع من خسائر . ثم إنّ أبا سفيان كان نذر ألا يمسّ رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وينبغي أن يبر في قسمه . فخرج في مئتي راكب حتى وصل إلى مساكن بني النضير في جنح الليل بأطراف المدينة - ، ونزل على ( سلّام بن مشكم ) من سادة اليهود ، فتعرّف منه أخبار المسلمين ، وتدارسا أجدى الطرق لإيذائهم والإفلات من قواهم . واهتدى أبو سفيان إلى العمل الذي وفّى به يمينه ، وحقق به غايته ، فهجم برجاله على ناحية يقال لها : العريض ، وحرقوا أسوارا من نخيل بها ، ووجدوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما ، ثم لاذوا بالفرار عائدين إلى مكة . وشعر المسلمون بما حدث ، فانطلقوا وراء أبي سفيان ورجاله يطاردونهم ويبتغون الإيقاع بهم ، وأحس المشركون بالطلب ، فجدّوا في الهرب ، والمسلمون يقطعون الصحراء خلفهم راغبين في اللحاق بهم ، فلمّا أحسّ أبو سفيان بالخطر أخذ يتخفّف من الأزواد التي يحملها حتى تمكّن من النجاة ، وعثر المسلمون في طريق المطاردة على هذه المؤن وأكثرها من السويق ، فسمّوا هذه المناوشة الطريفة غزوة السويق ! .