محمد الغزالي
25
فقه السيرة ( الغزالي )
العرب حين البعثة كان أهل مكة ضعاف التفكير ، أقوياء الشهوات . إذ لا صلة بين نضج الفكر ونضح الغريزة ، ولا بين تخلّف الجماعات من الناحية العقلية ، وتخلّفها من ناحية الأهواء والمطامع . إن عرام الشهوات الذي نسمع عنه في ( باريس ) و ( هوليود ) لا يزيد كثيرا عمّا وعته القرون الخالية من مفاسد الإنسان على ظهر الأرض . وتقدّم الحضارة لا أثر له من هذه الناحية إلا في زيادة وسائل الإغراء فحسب . أمّا الشهوات نفسها فهي هي من قبل الطوفان ومن بعده : الأثرة ، والجشع ، والرياء ، والتهارش ، والحقد ، وغير ذلك من ذميم الخصال ، ملأت الدنيا من قديم ، وإن تغيرت الأزياء التي تظهر بها على مر العصور . وإنّ الإنسان ليرى في القرية التافهة ، وفي القبيلة الساذجة من التنافس على المال والظهور ما يراه في أرقى البيئات ، وكثيرا من الناس تفوتهم أنصبة رائعة من العلم والفضل ، ولكن لا تفوتهم أنصبة كبيرة جدا من الاحتيال والتطلّع والدّسّ ، وقد تستغرب إذ ترى الشخص لا يحسن فهم مسألة قريبة من أنفه ؛ ومع ذلك فهو يفهم جيدا ألا يكون فلان أفضل منه ! ! . من عهد نوح عليه السّلام والحياة تجمع أمثلة شتى لهذا الغباء وهذا العناد ؛ فعند ما دعي قوم نوح عليه السّلام إلى الإيمان باللّه واحده ، كانت إجابتهم لنوح عليه السّلام لا تهتم بموضوع الدعوة قدر اهتمامها بشخص الداعي ، وما سيحرزه من فضل بهذه الرسالة ! : فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً . . . [ المؤمنون : 24 ] . ما أكثر منافذ الهوى إلى الأعمال والأحكام ، وما أعقد مخلّفات الهوى في الأخلاق والأفكار ، والسير والسياسات ! ! .