محمد الغزالي

242

فقه السيرة ( الغزالي )

ويدفعان الأفكار في مجرى ضيق كالح ، على أنّ هذه الأزمات إن أخرجت العامة ، وأهاجتهم إلى طلب الغذاء والكساء لأنفسهم وذراريهم بحرص ومجاهرة ، فإن المؤمنين الكبار ينبغي أن يتماسكوا ، وأن يكتموا أحاسيس الفاقة الملحّة فلا يتنازعوا على شيء . وذلك الأدب هو ما أخذ اللّه به المسلمين ، وافتتح به السورة التي تحدثت عن القتال في بدر . ذلك أنّ الخاصة من الرجال هم قدوة غيرهم ، فإذا ساءت أخلاقهم للضوائق العارضة ، واضطرب مسلكهم فسيكون سواد الشعب إلى مزالق الفوضى أسرع . وقد رأينا ( الألمان ) في الحرب العالمية الأولى و ( الإنكليز ) في الحرب العالمية الثانية شدّد عليهم الحصار ، حتى هزلت الأجسام ، واصفرّت الوجوه ، وما صابرت الجماهير هذه المجاعات إلا وراء قادتها المصابرين المتجمّلين . [ في الأسرى ] : ومما حاسب اللّه عليه المسلمين حسابا شديدا موقفهم بإزاء الأسرى ، فإنّ الرغبة في استبقائهم للانتفاع من ثرواتهم غلبت الآراء الأخرى بضرورة الاقتصاص من ماثمهم السابقة ، حتى يكونوا نكالا لما بين أيديهم وما خلفهم وموعظة للمتقين . استشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا ، فقال أبو بكر : يا رسول اللّه ! هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان ، وإنّي أرى أن تأخذ منهم الفدية ، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار ، وعسى أن يهداهم اللّه فيكونوا لنا عضدا . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما ترى يا بن الخطاب ؟ » قال : قلت : واللّه ! ما أرى ما رأى أبو بكر ، ولكن أرى أن تمكّنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه ، وتمكّن عليا من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه ، وتمكّن حمزة من فلان - أخيه - فيضرب عنقه ، حتى يعلم اللّه أنّه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين ، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم . فهوي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت ، وأخذ منهم الفداء ، فلمّا كان من الغد قال عمر : فغدوت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وهما يبكيان ! فقلت : يا رسول اللّه ! أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ! فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :