محمد الغزالي

232

فقه السيرة ( الغزالي )

أمنزلا أنزلكه اللّه ، ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : « بل هو الرأي والحرب والمكيدة » ، قال : يا رسول اللّه ! فإنّ هذا ليس بمنزل ، امض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فنعسكر فيه ، ثم نغوّر ما وراءه من الابار ، ثم نبني عليه حوضا ، فنملأه ماء ، ثم نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لقد أشرت بالرأي » ، ثم أمر بإنفاذه ، فلم يجئ نصف الليل حتّى تحوّلوا كما رأى الحباب ، وامتلكوا مواقع الماء « 1 » . وقضى المسلمون ليلا هادئ الأنفاس منير الآفاق ، غمرت الثقة قلوبهم وأخذوا من الراحة قسطهم ، وتساقط عليهم مطر خفيف رطّب حولهم الجو وجعل نسائم الصباح تهب عليهم فتنعش صدورهم وتجدد أملهم ، وكان الرمل تحت أقدامهم دهسا فتلبد وتماسك ، وجعل حركتهم عليه ميسّرة . إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ( 11 ) [ الأنفال ] . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتفقّد الرجال ، وينظّم الصفوف ، ويسدي النصائح ، ويذكّر باللّه والدار الآخرة . ثم يعود إلى عريش هيّئ له ، فيستغرق في الدعاء الخاشع ، ويستغيث بأمداد الرحمن . ووقف أبو بكر إلى جوار الرسول عليه الصلاة والسلام ، وهو يكثر الابتهال والتضرّع ، ويقول فيما يدعو به : « اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض » ، وجعل يهتف بربه عز وجلّ ويقول : « اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم نصرك ! » ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط رداؤه عن منكبيه . وجعل أبو بكر يلتزمه من وراءه ، ويسوّي عليه رداءه ويقول - مشفقا عليه من كثرة الابتهال - : يا رسول اللّه ! بعض مناشدتك ربّك ، فإنّه سينجز لك ما وعدك « 2 » .

--> ( 1 ) رواه ابن هشام : 2 / 66 ، عن ابن إسحاق ، قال : فحدثت عن رجال من بني سلمة ؛ أنّهم ذكروا أنّ الحباب . . . وهذا سند ضعيف ، لجهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة . وقد وصله الحاكم : 3 / 426 ، 427 ، من حديث الحباب ، وفي سنده من لم أعرفه ، وقال الذهبي في ( التلخيص ) : « قلت : حديث منكر وسنده » كذا الأصل ، ولعلّه سقط منه « واه » أو نحوه ؛ ورواه الأموي من حديث ابن عباس كما في البداية : 3 / 267 ، وفيه الكلبي وهو كذّاب . ( 2 ) حديث صحيح ، أخرجه مسلم : 5 / 156 - 157 ؛ وأحمد ، رقم ( 208 ، 221 ) من حديث -