محمد الغزالي
229
فقه السيرة ( الغزالي )
[ استشارة النبي صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه ] : ومضت قريش في مسيرها مستجيبة لرأي ( أبي جهل ) ، حتى نزلت بالعدوة القصوى من وادي بدر ، وكان المسلمون قد انتهوا من رحيلهم المضني إلى العدوة الدنيا . وهكذا اقترب كلا الفريقين من الاخر ، وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب . وهبط الليل ، فأرسل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عليا والزبير وسعدا يتحسّسون الأحوال ، ويلتمسون الأخبار ، فأصابوا غلامين لقريش كانا يمدّانهم بالماء ، فأتوا بهما ، وسألوهما - ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائم يصلي - فقالا : نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء . فكره القوم هذا الخبر ، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان - لا تزال في نفوسهم بقايا أمل في الاستيلاء على القافلة ! - فضربوهما ضربا موجعا ، حتى اضطر الغلامان أن يقولا : نحن لأبي سفيان ! فتركوهما ؛ وركع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسجد سجدتيه وسلم وقال : « إذا صدقاكم ضربتموهما ، وإذا كذباكم تركتموهما ! ! صدقا واللّه إنّهما لقريش » . ثم قال للغلامين : « أخبراني عن قريش » ، قالا : هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى ، فقال لهما : « كم القوم ؟ » قالا : كثير ، قال : « ما عدتهم ؟ » قالا : لا ندري ، قال : « كم ينحرون كلّ يوم ؟ » قالا : يوما تسعا ، ويوما عشرا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « القوم ما بين التسعمئة إلى الألف » ، ثم قال لهما : « فمن فيهم من أشراف قريش ؟ » قالا : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو البختريّ بن هشام ، وحكيم بن حزام ، ونوفل بن خويلد ، والحارث بن عامر ، وطعيمة بن عدي ، والنضر بن الحارث ، وزمعة بن الأسود ، وعمرو بن هشام ، وأمية بن خلف . . . إلخ . فأقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الناس فقال : « هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها » « 1 » .
--> ( 1 ) أخرجه ابن هشام : 2 / 65 ، عن ابن إسحاق ، حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير بهذه القصة . وهذا إسناد صحيح ، لكنّه مرسل . وقد رواه أحمد ، رقم ( 948 ) من حديث علي بن أبي طالب ، دون قوله : « ثم قال لهما . . » وسنده صحيح ، ورواه مسلم : 5 / 170 ، مختصرا من حديث أنس .