محمد الغزالي

212

فقه السيرة ( الغزالي )

يتفقّد أصحابه ، ويسأل النّاس عما في النّاس ، ويحسّن الحسن ويصوّبه ، ويقبّح القبيح ويوهنه ، معتدل الأمر غير مختلف ، لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يملّوا . لكلّ حال عنده عتاد ، لا يقصّر عن الحق ، ولا يجاوزه إلى غيره . . . الذين يلونه من الناس خيارهم ، وأفضلهم عنده أعمّهم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة . ثم قال - يصف مجلسه - : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ، ولا يوطّن الأماكن - لا يميّز لنفسه مكانا - إذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس ، ويأمر بذلك ، ويعطي كلّ جلسائه نصيبه ، حتى لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره ، حتى يكون هو المنصرف عنه ، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها ، أو بميسور من القول ، قد وسع الناس بسطه وخلقه ، فصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحق متقاربين ، يتفاضلون عنده بالتقوى ، مجلسه مجلس حلم وحياء ، وصبر وأمانة . لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تؤبّن فيه الحرم - لا تخشى فلتأته - يتعاطفون بالتقوى ، يوقّرون الكبير ، ويرحمون الصغير ، ويرفدون ذا الحاجة ، ويؤنسون الغريب . وقال يصف سيرته : كان دائم البشر ، سهل الخلق ، ليّن الجانب ، ليس بفظّ ولا غليظ ، ولا صخّاب ، ولا فحّاش ، ولا عتّاب ، ولا مدّاح ، يتغافل عما لا يشتهي ولا يقنط منه ، قد ترك نفسه من ثلاث : الرياء ، والإكثار ، وما لا يعنيه ، وترك النّاس من ثلاث : لا يذمّ أحدا ، ولا يعيّره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلّم إلا فيما يرجو ثوابه ، إذا تكلّم أطرق جلساؤه ، كأنّما على رؤوسهم الطير ، وإذا سكت تكلّموا ، لا يتنازعون عنده الحديث ، من تكلّم عنده أنصتوا له حتى يفرغ ، حديثهم حديث أولهم ، يضحك مما يضحكون منه ، ويعجب مما يعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق ويقول : « إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه . ولا يطلب الثناء إلّا من مكافئ » « 1 » .

--> ( 1 ) حديث ضعيف ، أخرجه بطوله الترمذي في ( الشمائل ) : 1 / 38 ، من طريق جميع بن عمرو بن عبد الرحمن العجلي ، قال : حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة يكنى أبا عبد اللّه ، عن ابن لأبي هالة ، عن الحسن بن علي . وهذا سند ضعيف ، -