محمد الغزالي
210
فقه السيرة ( الغزالي )
أدنى من منزلتك ، وإن لم أدخلها لم أرك أبدا ، فنزل قوله تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( 69 ) [ النساء ] « 1 » . وفي الحديث : « المرء مع من أحبّ » « 2 » ، والمقصود حبّ الأسوة لا حبّ الهوس ، فإنّ الرجل إذا أحبّ من هو مثله أو أعلى منه ، فأساس هذا الحب تفتّح قلبه لخلال النبل التي خصوا بها ، وعظمة المواهب التي ميزهم بها القدر . واثار الشجاعة والكرم لا يرحّب بها الجبان الشحيح ، إنما يحييها في أصحابها من أوتي حظّا منها ، وهو بسبيله إلى استكمال ما فاته من تمامها . فمن نعمة اللّه أن يلحق بالعظماء من يعشق فيهم جمال العظمة ، ولذلك قال بعد الآية السابقة : . . . ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً ( 70 ) [ النساء ] . والحقّ أنّ التابع المحبّ شخص فاضل . ففي الدنيا كثير من الأخسّاء الذين إن علوا حقّروا من دونهم ، وإن دنوا كرهوا من فوقهم ! فما تدري متى تخلو نفوسهم من أحاسيس البغضاء والضّعة ؟ . أمّا عشاق المبادئ المجرّدة ، فما إن يجدوا رجلها المنشود حتى يحيطوا به ، وتلمع عيونهم حبّا له ، أي حبّا للمبادئ التي حييت فيه وانتصرت به . وما كان ربك ليضيّع هذا اليقين ولا أصحابه الأبرار . عن أنس قال : لمّا كان اليوم الذي دخل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيه المدينة أضاء منها كلّ شيء . فلمّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلّ شيء ، وما نفضنا أيدينا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا « 3 » .
--> ( 1 ) رواه الواحدي في ( أسباب النزول ) ، ص 122 ، تعليقا عن الكلبيّ ، وقال : معضل . . . فذكره ، وهذا مع إعضاله فإنّ الكلبيّ كذّاب ، لكن أخرجه الطبراني في ( المعجم الصغير ) ، ص 12 ، ومن طريقه أبو نعيم في ( الحلية ) : 7 / 325 ؛ وعنه الواحدي ، ص 123 ؛ وابن مردويه والمقدسي في ( صفة الجنة ) من حديث عائشة مختصرا ليس فيه قوله : « ما غير لونك » وقال المقدسي : « لا أرى بإسناده بأسا » ، وله شاهد من حديث ابن عبّاس ، واخر من مرسل سعيد بن جبير وغيره أوردها الحافظ ابن كثير في البداية : 1 / 552 - 553 . ( 2 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 10 / 459 - 462 ؛ ومسلم : 8 / 42 ، من حديث أنس وابن مسعود وأبي موسى . وهو حديث متواتر كما قال ابن كثير وغيره . ( 3 ) حديث صحيح ، أخرجه الترمذي : 4 / 495 ؛ والحاكم : 3 / 57 ؛ وأحمد : 2 / 221 ، -