محمد الغزالي
203
فقه السيرة ( الغزالي )
معنى العبادة وسرّ الارتقاء الروحي والجماعي الذي أدركه صحابة محمّد صلى اللّه عليه وسلم أنهم كانوا موصولين باللّه على أساس صحيح ، فلم يشعروا في العمل له بما يشعر به الكثيرون من عنت وتكلّف ، ولا بما يعانون من شرود وحيرة . هناك طبيعتان في الإنسان غير منكورتين : الإعجاب بالعظمة ، والعرفان للجميل ، فعند ما ترى الة دقيقة ، أو جهازا عجيبا ، أو صورة رائعة ، أو مقالا بليغا فإنك لا تنتهي من تبيّن حسنه حتى تنطوي جوانحك على الإعجاب بصاحبه ، فإنّ الذكاء العميق والاقتدار البارز يجعلانك تهتزّ من تلقاء نفسك احتراما للرجل الذكيّ القدير ! . وكذلك عندما يسدى إليك معروف ، أو تمتدّ يد إليك بنعمة إنّك تذكر هذا الصنيع لمن تطوّع به ، وعلى ضخامة ما نلت من خير يلهج لسانك بالثناء ، ويمتلئ فؤادك بالحمد كما قال الشاعر : أفادتكم النعماء منّي ثلاثة * يدي ، ولساني ، والضّمير المحجّبا ! ! ورسول الإسلام صلى اللّه عليه وسلم جاء يثير هاتين الطبيعتين نحو أحقّ شيء بهما ، ألست تعجب بالعظمة ، وتحتفي بصاحبها ؟ ! ألست تقدّر النعمة وتشكر مسديها ؟ ! . إنك ترمق بإجلال مخترع الطيارة ، وكلّما رأيتها تشقّ الفضاء زدت إشادة بعبقريته ! فما رأيك فيمن يدفع الألوف المؤلّفة من الكواكب تطير في جوّ السماء من غير توقف ولا عوج ! وما رأيك فيمن خلق عقل هذا المخترع ، وأودع في تلافيف مخّه الذكاء الذي وصل به إلى ما راعك واستثار إعجابك ؟ . أليس ربّك وربّ كلّ شيء أحقّ بأن تعرف عظمته ، وتفتح عيونك على اثار قدرته . . . ؟ ! . فإذا عرفت عظمته من عظمة الوجود الذي يحيط بك ، خجلت من التهجّم عليه ، ونسبة ما لا يليق إليه ! ! وقلت مع العارفين : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ آل عمران : 191 ] .