محمد الغزالي

196

فقه السيرة ( الغزالي )

والاستعداد لحياة أرقى في الدار الآخرة ، والدين الذي جاء به وقّر موسى وأعلى شأنه ، ونوّه بكتابه ، وطلب من اليهود أن ينفّذوا أحكامه ، ويلزموا حدوده . لكنّ اليهود صمتوا - أولا - صمت المستريب ، ثم بدا لهم فقرّروا المعالنة بالجحود . وهذا الترحيب المتوقّع تلمح دلائله في كثير من الآيات ، فإنّ عبدة الأصنام إذا أنكروا النبوة فأهل الكتاب يجب أن يشهدوا بها : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ( 43 ) [ الرعد ] . وعبدة الأصنام إذا رفضوا التذكير باللّه فأهل الكتاب أحق بأن يخشعوا إذا وجدوا من يذكّرهم به : وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 51 ) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) [ القصص ] . غير أنك تدهش ، إذ تجد الجرأة على اللّه ، والنفور من أحكامه ، ووصفه بما لا يليق شائعة بين اليهود ، شيوعها بين المشركين ! . فإذا غضب الإسلام على من ينسب إلى اللّه ولدا ، بشرا أو حجرا ، فماذا ترى فيمن يصف رب السماوات والأرض بالفقر والبخل ؟ ! . وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا . . [ المائدة : 64 ] . لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 181 ) [ آل عمران ] . على أنّ الإسلام يدع أولئك الجحدة في ضلالهم ، فلا يستأصل كفرهم بالسيف ، ويكتفي بأن يعلن دعوته ، ويكشف حقيقته ، ويملأ الجوّ بآياته ومعالمه . فمن استراح إليها فدخل فيها ؛ فبها ونعمت ، وإلا فهو وشأنه ، ولا يطالبه الإسلام بشيء إلا الأدب والمسالمة ، وترك الحق يسير من غير عائق أو نكير . ولقد جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، فمدّ يده إلى اليهود مصافحا ، وتحمّل الأذى مسامحا ، حتى إذا رآهم مجمعين على التنكيل به ، ومحو دينه ، استدار إليهم ، وجرت بينه وبينهم من الوقائع ما سنقصّ أخباره في موضعه .