محمد الغزالي
191
فقه السيرة ( الغزالي )
ثم تابع الغدوّ . . ثم جاء يوما وبه أثر صفرة « 1 » ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « مهيم ؟ » « 2 » قال : تزوجت ، قال : « كم سقت إليها ؟ » ، قال : نواة من ذهب ! . وإعجاب المرء بسماحة ( سعد ) لا يعدله إلا إعجابه بنبل ( عبد الرحمن ) ، هذا الذي زاحم اليهود في سوقهم ، وبزّهم في ميدانهم ، واستطاع - بعد أيام - أن يكسب ما يعف به نفسه ، ويحصن به فرجه ! ! إنّ علو الهمة من خلائق الإيمان ؛ وقبّح اللّه وجوه أقوام انتسبوا للإسلام فأكلوه ، وأكلوا به ، حتى أضاعوا كرامة الحق في هذا العالم . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأخ الأكبر لهذه الجماعة المؤمنة ؛ لم يتميّز عنهم بلقب إعظام خاصّ ، وفي الحديث : « لو كنت متّخذا من أمّتي خليلا لاتخذته يعني : أبا بكر - خليلا ، ولكنّ أخوّة الإسلام أفضل » « 3 » . والإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة ، فحيث يشيع الجهل والغشّ والجبن والبخل والجشع لا يمكن أن يصحّ إخاء ، أو تترعرع محبة ، ولولا أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جبلوا على شمائل نقية ، واجتمعوا على مبادئ رضية ، ما سجّلت لهم الدنيا هذا التاخي الوثيق في ذات اللّه . فسموّ الغاية التي التقوا عليها ، وجلال الأسوة التي قادتهم إليها ، نمّيا فيهم خلال الفضل والشرف ، ولم يدعا مكانا لنجوم خلة رديئة . ذلك ، ثم إنّ محمدا عليه الصلاة والسلام كان إنسانا تجمّع فيه ما تفرّق في عالم الإنسان كله من أمجاد ومواهب وخيرات ، فكان صورة لأعلى قمّة من الكمال يمكن أن يبلغها بشر ، فلا غرو إذا كان الذين قبسوا منه ، وداروا في فلكه رجالا يحيون بالنجدة والوفاء والسخاء . إنّ الحبّ كالنبع الدافق يسيل واحده ، ولا يتكلّف استخراجه بالآلات والأثقال ، والأخوّة لا تفرض بقوانين ومراسيم ، وإنّما هي أثر من تخلّص الناس من نوازع الأثرة والشح والضّعة . وقد تبودلت الأخوة بين المسلمين الأولين ؛ لأنّهم ارتقوا - بالإسلام - في نواحي حياتهم كلّها ، فكانوا عباد اللّه إخوانا ، ولو كانوا عبيد أنفسهم ما أبقى بعضهم على بعض ! ! .
--> ( 1 ) زينة . ( 2 ) سؤال عن حاله . ( 3 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 14 ، من حديث ابن عباس بهذا اللفظ .