محمد الغزالي

188

فقه السيرة ( الغزالي )

[ أولا ] : المسجد : ففي الأمر الأول - وهو صلة الأمة باللّه - بادر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بناء المسجد ؛ لتظهر فيه شعائر الإسلام ، التي طالما حوربت ، ولتقام فيه الصلوات ، التي تربط المرء بربّ العالمين ، وتنقّي القلب من أدران الأرض ، ودسائس الحياة الدنيا . والمرويّ أنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم بنى مسجده الجامع حيث بركت ناقته ، في مريد لغلامين يكفلهما أسعد بن زرارة ، وكان الغلامان يريدان النزول عنه للّه ، فأبى الرسول عليه الصلاة والسلام إلا ابتياعه بثمنه ، وكان المربد قبل أن يتّخذ مصلّى كهذه المصليات التي تنتشر في ريفنا ؛ كانت تنبت فيه نخيل وشجر غرقد ، ويختفي في ترابه بعض قبور للمشركين . فأمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالنخل فقطع ، وبالقبور « 1 » فنبشت ، وبالخرب فسوّيت ، وصفّوا النخل قبلة للمسجد « 2 » - والقبلة يومئذ بيت المقدس - وجعل طوله مما يلي القبلة إلى المؤخرة مئة ذراع ، والجانبان مثل ذلك تقريبا ، وجعلت عضادتاه من الحجارة ، وحفر الأساس ثلاثة أذرع ، ثم بني باللبن ، واشترك الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه في حمل اللبنات والأحجار على كواهلهم . وكانوا يروّحون عن أنفسهم عناء الحمل والنّقل والبناء . . بهذا الغناء : اللهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة * فاغفر للأنصار والمهاجرة ! ! وقد ضاعف حماس الصحابة في العمل رؤيتهم النبيّ عليه الصلاة والسلام يجهد كأحدهم ، ويكره أن يتميّز عليهم ، فارتجز بعضهم هذا البيت : لئن قعدنا والرّسول يعمل * لذاك منّا العمل المضلّل ! ! وتمّ المسجد في حدود البساطة ، فراشه الرمال والحصباء ، وسقفه الجريد ، وأعمدته الجذوع ، وربما أمطرت السماء فأوحلت أرضه ، وقد تفلت الكلاب إليه فتغدو وتروح . هذا البناء المتواضع الساذج ، هو الذي ربّى ملائكة البشر ، ومؤدبي الجبابرة ، وملوك الدار الآخرة ، في هذا المسجد أذن الرحمن لنبيّ يؤمّ بالقران خيرة من امن به ، أن يتعهّدهم بأدب السماء من غبش الفجر إلى غسق الليل .

--> ( 1 ) هي أجداث أتى عليها البلى حتى هجرت ، فلا يدفن بها أحد . ( 2 ) ثبت هذا في ( الصحيحين ) وغيرهما من حديث أنس .