محمد الغزالي

184

فقه السيرة ( الغزالي )

وعن عائشة رضي اللّه عنها قالت : لمّا قدم النبيّ عليه الصلاة والسلام المدينة ؛ وعك أبو بكر وبلال ، فدخلت عليهما فقلت : يا أبت كيف تجدك ؟ ويا بلال كيف تجدك ؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول : كلّ امرئ مصبّح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلعت عنه ، يرفع عقيرته ويقول : ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة * بواد ، وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنّة ؟ * وهل يبدون لي شامة وطفيل ؟ « 1 » قالت : فأخبرت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بذلك فقال : « اللهم حبّب إلينا المدينة ، كحبّنا مكة أو أشد ، اللهم وصحّحها ، وبارك لنا في مدّها وصاعها ، وانقل حمّاها ، واجعلها بالجحفة » « 2 » . وعن أنس ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكّة من البركة » « 3 » . وعن أبي هريرة ، قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أتي بأوّل الثّمر قال : « اللهم بارك لنا في مدينتنا ، وفي ثمارنا ، وفي مدّنا ، وفي صاعنا ، بركة مع بركة ، اللهم إنّ إبراهيم عبدك ونبيّك وخليلك ، وإنّي عبدك ونبيّك ، وإنّه دعاك لمكّة ، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكّة ، ومثله معه » ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان . . . « 4 » . بهذا التشويق والإقبال ارتفع الروح المعنوي بين المسلمين ، واتّجهت القوى الفتية إلى البناء ، متناسية الماضي وما يضمّ من ذكريات ، إنّ الهجرة الخالصة لا تعود في هبة ، ولا ترجع عن تضحية ، ولا تبكي على فائت ، بل هي كما قال الشاعر : إذا انصرفت نفسي عن الشّيء لم تكد * إليه بوجه آخر الدهر تقبل

--> ( 1 ) جبال في مكة . ( 2 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 209 - 210 ؛ وأحمد : 6 / 65 / 221 - 222 ، 239 ، 240 ، 260 ؛ ورواه مسلم : 4 / 119 ، مختصرا بدون الأبيات ، وهو رواية لأحمد : 6 / 56 . قلت : والجحفة بلدة كانت بين مكة والمدينة وهي اليوم خرائب مهجورة . ( ن ) . ( 3 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 4 / 78 ؛ ومسلم : 4 / 115 ؛ وأحمد : 3 / 142 . ( 4 ) حديث صحيح ، أخرجه مسلم : 4 / 117 .